فهرس الكتاب
تارة نوعًا من الفعل، وتارة قسيمًا للفعل، كما قد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع، والله أعلم0
وقد ذكرت في غير هذا الموضع: أنه ما احتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل، إلا وذلك الدليل إذا أعطى حقه وميز ما يدل عليه مما لا يدل؛ تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به، وأنه دليل لأهل الحق، وأن الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا، والحق لا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضًا، والله أعلم0
المسألة السادسة: دوام كونه قادرًا في الأزل والأبد، فإنه قادر ولا /يزال قادرًا على ما يشاؤه بمشيئته، فلم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء، وهذا قول السلف والأئمة كابن المبارك وأحمد0
إلى أن قال: وفي صحيح البخاري ـ تعليقًا ـ عن سعيد بن جبير؛ أن رجلًا سأل ابن عباس عن قوله: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 73] ، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح: 7] ، {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 134] ، فكأنه كان فمضى، فقال ابن عباس: قوله: {وَكَانَ اللَّهُ} ، {وَكَانَ اللَّهُ} فإنه يجل نفسه عن ذلك، وسمى نفسه بذلك لم يجله أحد غيره، وكان أي: لم يزل كذلك. رواه عبد بن حميد في تفسيره مسندًا موصولا، ورواه ابن المنذر ـ أيضًا ـ في تفسيره، وهذا لفظ رواية عبد 0
والمقصود هنا التنبيه على تنازع الناس في مسألة القدرة. وفي الحقيقة أنه من لم يقل بقول السلف فإنه لا يثبت لله قدرة، ولا يثبته قادرًا، فالجهمية ومن اتبعهم، والمعتزلة والقدرية المجبرة والنافية، حقيقة قولهم: إنه ليس قادرًا وليس له الملك، فإن الملك إما أن يكون هو القدرة، أو المقدور، أو كلاهما، وعلى كل تقدير فلابد من القدرة، فمن لم يثبت له القدرة حقيقة لم يثبت له ملكًا، كما لا يثبتون له حمدًا0
إلى أن قال: وأيضًا فالقديم الأزلي: القيوم الصمد الواجب الوجود بنفسه، الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، أحق بالكمال من الممكن المحدث المفتقر، فيمتنع أن يكون هذا قادرًا على الكلام والفعل، والقيوم/ الصمد ليس قادرًا على الفعل والكلام، إلى أن قال:
والمقصود هنا أنه ـ سبحانه ـ عدل لا يظلم وعدله إحسان إلى خلقه، فكل ما خلقه فهو إحسان إلى عباده؛ ولهذا كان مستحقًا للحمد على كل حال؛ ولهذا ذكر في سورة النجم أنواعًا من مقدوراته، ثم قال: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم: 55] ، فدل على أن هذه الأنعم مثل إهلاك الأمم المكذبة للرسل، فإن في ذلك من الدلالة على قدرته وحكمته ونعمته على المؤمنين ونصره للرسل، وتحقيق ما جاؤوا به، وأن السعادة في متابعتهم والشقاوة في مخالفتهم ما هو من أعظم النعم0
وكذلك ما ذكره في سورة الرحمن، وكل مخلوق هو من آلائه من وجوه: منها أنه يستدل به عليه وعلى توحيده وقدرته وغير ذلك، وأنه يحصل به الإيمان والعلم وذكر الرب. وهذه النعمة أفضل ما أنعم الله به على عباده في الدنيا، وكل مخلوق يعين عليها ويدل عليها، هذا مع ما في المخلوقات من المنافع لعباده غير الاستدلال بها، فإنه ـ سبحانه ـ يقول: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] ؛ لما يذكر ما يذكره من الآية، وقال: {فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى} ، والآلاء: هي النعم، والنعم كلها من آياته الدالة على نفسه المقدسة ووحدانيته ونعوته ومعاني أسمائه، فهي آلاء آيات، وكل ما كان من آلائه فهو من آياته، وهذا ظاهر، وكذلك كل ما كان من آياته فهو من آلائه، فإنه يتضمن التعريف والهداية والدلالة على الرب ـ تعالى ـ وقدرته وحكمته ورحمته ودينه، والهدى أفضل النعم.
/وأيضًا، ففيها نعم ومنافع لعباده غير الاستدلال، كما في خلق الشمس والقمر والسحاب والمطر والحيوان والنبات، فإن هذه كلها من آياته، وفيها نعم عظيمة على عباده غير الاستدلال، فهي