فهرس الكتاب
توجب الشكر لما فيها من النعم، وتوجب التذكر لما فيها من الدلالة، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] ، وقال: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 8] ، فإن العبد يدعوه إلى عبادة الله داعي الشكر وداعي العلم، فإنه يشهد نعم الله عليه، وذاك داع إلى شكرها، وقد جبلت النفوس علي حب من أحسن إليها، والله ـ تعالى ـ هو المنعم المحسن الذي ما بالعباد من نعمة فمنه وحده، كما في الحديث: (من قال إذا أصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فقد أدى شكر ذلك اليوم، ومن قال ذلك إذا أمسى فقد أدى شكر تلك الليلة) 0 رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس، وفي حديث آخر: (من قال: الحمد لله ربي لا أشرك به شيئًا أشهد أن لا إله إلا الله) 0
وقد ذم ـ سبحانه ـ من كفر بعد إيمانه كما قال: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} الآية [الأنعام: 63] ، فهذا في كشف الضر، وفي النعم قال: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] ، أي: شكركم، وشكر ما رزقكم الله، ونصيبكم تجعلونه تكذيبًا وهو الاستسقاء بالأنواء، كما ثبت في حديث ابن عباس الصحيح قال: مطر /الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر) ، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نَوْء كذا وكذا، قال: فنزلت هذه الآية: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} حتى بلغ: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 75 ـ 82] رواه مسلم0
وفي صحيح مسلم ـ أيضًا ـ عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله الغَيْث فيقول: الكوكب كذا وكذا) ، وفي لفظ له: (بكوكب كذا وكذا) ، وفي الصحيحين عن زيد بن خالد الجُهَنِيّ قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح على إثر سَمَاء كانت من الليل، قال: (أتدرون ماذا قال ربكم؟) . قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: (قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بِنَوْءِ كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب) ، وهذا كثير جدًا في الكتاب والسنة، يذم ـ سبحانه ـ من يضيف إنعامه إلى غيره، ويشركه به، قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا0
ولهذا قرن الشكر بالتوحيد في الفاتحة وغيرها؛ أولها شكر، وأوسطها توحيد، وفي الخطب المشروعة لابد فيها من تحميد وتوحيد، وهذان هما ركن في كل خطاب، ثم بعد ذلك يذكر المتكلم من مقصوده ما يناسب من الأمر والنهي والترغيب والترهيب، وغير ذلك0
/وقوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) ، يتضمن التوحيد والتحميد، وكذلك كان يقول عقب الصلاة: (لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) ، وهو ـ سبحانه ـ يفتتح خطابه بالحمد ويختم الأمور بالحمد، وأول ما خلق آدم كان أول شىء أنطقه به الحمد، فإنه عطس فأنطقه بقوله: الحمد لله، فقال له: يرحمك ربك يا آدم! وكان أول ما تكلم به الحمد، وأول ما سمعه الرحمة0
وهو يختم الأمور بالحمد كقوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] ، {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 45] ، {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] ، وهو سبحانه: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] 0
والتوحيد أول الدين وآخره، فأول ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله، وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) ، وقال لمعاذ: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) ، وختم