فهرس الكتاب
خلقت من يعبدني إلا ليعبدني، وكذلك قال الضحاك والفراء وابن قتيبة ـ وهذا قول خاص بأهل طاعته ـ قال الضحاك: هي للمؤمنين، وهذا قول الكَرَّامِيَّة، كما ذكره محمد بن الهيصم، قال: ويدل عليه قوله قبل ذلك: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} [الذاريات: 54] ، ثم قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] أي: هؤلاء المؤمنين الذين تنفعهم الذكرى.
قالوا: وهي غاية مقصودة واقعة، فإن العبادة وقعت من المؤمنين، وهذا القول اختيار أبي بكر بن الطيب، والقاضي أبي يعلى وغيرهما ممن يقول: إنه لا يفعل لعلة، قالوا ـ واللفظ للقاضي أبي يعلى ـ: هذا بمعنى الخصوص لا العموم؛ لأن البُلْه والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب، وإن كانوا من الإنس، وكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ} الآية [الأعراف: 179] ، فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة.
قلت: قول هؤلاء الكرامية ومن وافقهم، وإن كان أرجح من قول الجهمية والمعتزلة، فيما أثبتوه من حكمة الله، وقولهم في تفسير الآية، وإن وافقوا فيه بعض السلف، فهو قول ضعيف مخالف لقول الجمهور، ولما تدل عليه الآية، فإن قصد العموم ظاهر في الآية، وبين بيانًا لا يحتمل النقيض؛ إذ لو كان المراد المؤمنين فقط لم يكن فرق بينهم وبين الملائكة، فإن الجميع قد فعلوا ما خلقوا له،/ ولم يذكر الإنس والجن عمومًا، ولم تذكر الملائكة، مع أن الطاعة والعبادة وقعت من الملائكة دون كثير من الإنس والجن.
وأيضًا، فإن سياق الآية يقتضي أن هذا ذم وتوبيخ لمن لم يعبد الله منهم؛ لأن الله خلقه لشىء فلم يفعل ما خلق له؛ ولهذا عقبها بقوله: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57] ، فإثبات العبادة ونفي هذا يبين أنه خلقهم للعبادة، ولم يرد منهم ما يريده السادة من عبيدهم من الإعانة لهم بالرزق والإطعام، ولهذا قال بعد ذلك: {فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا} أي: نصيبًا {مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ} [الذاريات: 59] أى: المتقدمين من الكفار، أي: نصيبًا من العذاب، وهذا وعيد لمن لم يعبده من الإنس والجن، فذكر هذا الوعيد عقيب هذه الآية ـ من أولها إلى آخرها ـ يتضمن وعيد من لم يعبده.
وذكر عقابه لهم في الدنيا والآخرة، فقال تعالى في أولها: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا} إلى قوله: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ. وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات: 1، 6] ،ثم ذكر قوله: {إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ. يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 8، 9] ، ثم ذكر وعيد الآخرة بقوله: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ. يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ. يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} [الذاريات: 10، 13] ، ثم ذكر وعده للمؤمنين فقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} إلى قوله: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ. وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ. فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذاريات: 15 - 23] ، ثم ذكر قصص من آمن فنفعه إيمانه، ومن كفر فعذبه بكفره، فذكر قصة إبراهيم ولوط وقومه وعذابهم،/ ثم قال: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [الذاريات: 37، 38] ، أي: في قصة موسى آية ـ أيضًا ـ هذا قول الأكثرين، ومنهم من لم يذكر غيره كأبي الفرج، وقيل: هو عطف على قوله: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} ، {وَفِي مُوسَى} وهو ضعيف؛ لأن قصة فرعون وعاد هي من جنس قوم لوط، فيها ذكر الأنبياء ومن اتبعهم ومن خالفهم، يدل بها على إثبات النبوة، وعاقبة المطيعين والعصاة.
وأما قوله: {وَفِي الْأَرْضِ} ، {وَفِي أَنفُسِكُمْ} ، فتلك آيات على الصانع جل جلاله، وقد تقدمت؛ ولأنه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمثل هذا الكلام الكثير، مع أن قبله لا يصلح العطف عليه، وهو قوله: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} ثم قال: {وَفِي عَادٍ} ، {وَفِي ثَمُودَ ّ} ، ثم