فهرس الكتاب
ذكر أنه بني السماء بأيد، وفرش الأرض، وخلق من كل شىء زوجين لعلكم تذكرون، فلما بين الآيات الدالة على ما يجب من الإيمان وعبادته، أمر بذلك، فقال: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ. وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} الآية [الذاريات: 50، 51] ، ثم بين أن هؤلاء المكذبين من جنس من قبلهم ليتأسى الرسول والمؤمنون ويصبروا على ما ينالهم من أذى الكفار، فقال: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 52، 53] .
فهذا كله يتضمن أمر الإنس والجن بعبادته وطاعته وطاعة رسله، واستحقاق من يفعل العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا قال بعد ذلك: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56، 57] ؛ كان هذا مناسبًا لما تقدم، مؤتلفًا معه، أي: هؤلاء الذين أمرتهم، إنما خلقتهم لعبادتي ما أريد منهم غير ذلك، لا رزقًا ولا طعامًا.
فإذا قيل: لم يرد بذلك إلا المؤمنين، كان هذا مناقضًا لما تقدم ـ يعني في السورة ـ وصار هذا كالعذر لمن لا يعبده ممن ذمه الله ووبخه، وغايته يقول: أنت لم تخلقني لعبادتك وطاعتك، ولو خلقتني لها لكنت عابدًا، وإنما خلقت هؤلاء فقط لعبادتك، وأنا خلقتني لأكفر بك وأشرك بك، وأكذب رسلك، وأعبد الشيطان وأطيعه، وقد فعلت ما خلقتني له كما فعل أولئك المؤمنون ما خلقتهم له، فلا ذنب لي، ولا أستحق العقوبة، فهذا وأمثاله مما يلزم أصحاب هذا القول، وكلام الله منزه عن هذا، وهم إنما قالوا هذا؛ لأن الله ـ تعالى ـ فعال لما يريد، قالوا: فلو كان أراد منهم أن يطيعوه؛ لجعلهم مطيعين، كما جعل المؤمنين.
والقدرية يقولون: لم يرد من هؤلاء ولا هؤلاء إلا الطاعة، لكن هو لم يجعل لا هؤلاء ولا هؤلاء مطيعين، بل الإرادة بمعنى الأمر يأمر بها الطائفتين، فهؤلاء عبدوه بأن أحدثوا إرادتهم وطاعتهم، وهؤلاء عصوه بأن أحدثوا إرادتهم ومعصيتهم.
وأولئك علموا فساد قول القدرية من جهة أن الله خالق كل شىء، وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه إلا ما شاءه، ولا يكون في ملكه شىء إلا بقدرته وخلقه ومشيئته، كما دل على ذلك السمع/ والعقل، وهذا مذهب الصحابة قاطبة، وأئمة المسلمين وجمهورهم، وهو مذهب أهل السنة؛ فلأجل هذا عدل أولئك في تفسير الآية إلى الخصوص، فإنهم لم يمكنهم الجمع بين الإيمان بالقدر، وبين أن يكون خلقهم لعبادته، فلم تقع منهم العبادة له، وقالوا: من ذرأه لجهنم لم يخلقه لعبادته، فمن قال: خلق الخلق ليعبده المؤمنون منهم، سلك هذا المسلك.
وأما نفاة الحكمة، كالأشعري وأتباعه كالقاضي أبي بكر وأبي يعلي وغيرهم، فهؤلاء أصلهم: أن الله لا يخلق شيئًا لشىء، فلم يخلق أحدًا لا لعبادة ولا لغيرها، وعندهم ليس في القرآن لام كي، لكن قد يقولون: في القرآن لام العاقبة، كقوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص: 8] ، وكذلك يقولون في قوله: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ} [الأعراف: 179] يعنون: كان عاقبة هؤلاء جهنم، وعاقبة المؤمنين العبادة، من غير أن يكون الخالق قصد أن يخلقهم لا لهذا ولا لهذا، ولكن أراد خلق كل ما خلقه، لا لشىء آخر، فهذا قولهم، وهو ضعيف لوجوه:
أحدها: أن لام العاقبة التي لم يقصد فيها الفعل لأجل العاقبة، إنما تكون من جاهل أو عاجز، فالجاهل كقوله: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} لم يعلم فرعون بهذه العاقبة، والعاجز كقولهم: لِدُوا للموت، وابنوا للخراب، فإنهم يعلمون هذه العاقبة، لكنهم عاجزون عن دفعها، والله ـ تعالى ـ عليم قدير، فلا يقال: إن فعله كفعل الجاهل العاجز.