الصفحة 91 من 282

/الثاني: أن الله أراد هذه الغاية بالاتفاق، فالعبادة التي خلق الخلق لأجلها هي مرادة له بالاتفاق، وهم يسلمون أن الله أرادها، وحيث تكون اللام للعاقبة لا يكون الفاعل أراد العاقبة، وهؤلاء يقولون: خلقهم وأراد أفعالهم، وأراد عقابهم عليها، فكل ما وقع فهو مراد له ولكنه عندهم لا يفعل مرادًا لمراد أصلًا؛ لأن الفعل للعلة يستلزم الحاجة، وهذا ضعيف بين الضعف، وأهل الخصوص قالوا مثل هذا الجواب.

وطائفة أخرى قالوا: هي على العموم لكن المراد بالعبادة تعبيده لهم، وقهره لهم، ونفوذ قدرته ومشيئته فيهم، وأنه أصارهم إلى ما خلقهم له، من السعادة والشقاوة، هذا جواب زيد بن أسلم وطائفة، وهذا القول الثاني في تفسير الآية.

وروى ابن أبي حاتم عن ابن جُرَيْج، عن زيد بن أسلم في قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] قال: جَبَلَهُم على الشقاوة والسعادة، وقال وَهْبُ بن مُنَبه: جبلهم على الطاعة، وجبلهم على المعصية، وهذا يشبه قول من قال في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) ، أي: على ما كتب له من سعادة وشقاوة، كما قال ذلك طائفة؛ منهم: ابن المبارك وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وقد قيل لمالك: أهل القدر يحتجون علينا بهذا الحديث، فقال: احتجوا عليهم بآخره، وهو قوله: (الله أعلم بما كانوا عاملين) ، وهذا الجواب يصلح أن يجاب به من أنكر العلم، كما كان على ذلك طائفة من القدماء وهم المعروفون بالقدرية في لغة مالك.

/إلى أن قال: ومن فسر هذه الآية بأن المراد بـ {يَعْبُدُونِ} : هو ما جبلهم عليه، وما قدره عليهم من السعادة والشقاوة، وإن ذلك هو معنى الحديث، فإن هؤلاء جعلوا معني {يَعْبُدُونِ} بمعنى: يستسلمون لمشيئتي وقدرتي، فيكونون مُعَبَّدِينَ مُذَلَّلِين؛ كي يجرى عليهم حكمي ومشيئتي لا يخرجون عن قضائي وقدري، فهذا معنى صحيح في نفسه، وإن كانت القدرية تنكره، فبإنكارهم لذلك صاروا من أهل البدع، بل الله خالق كل شىء، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وفي استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بكلمات الله التامة التي لا يجاوزها برٌ ولا فاجرٌ من شر ما ذرأ وبرأ، وأعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده) .

فكلماته التامة هي التي كون بها الأشياء كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] ، لا يجاوزها بر ولا فاجر، ولا يخرج أحد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور، وهذا المعنى قد دل عليه القرآن في غير موضع، كقوله: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ} الآية [الأعراف: 179] ، وقوله: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111] ، {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] ، وقوله في السحر: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102] ، {فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} [الأنعام: 125] ونحو ذلك.

ولكن قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، لم يرد به هذا المعنى الذي ذهبوا إليه وحاموا حوله، من أن المخلوقات كلها تحت مشيئته وقهره /وحكمه، فالمخلوقات كلها داخلة في هذا، لا يشذ منها شىء عن هذا، وقد قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنْ اعْبُدُونِي} الآية [يس: 60، 61] ، وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] ، {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهٌِ} [الزمر: 17] ، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] وقال: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [يونس: 18] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت