الصفحة 92 من 282

فهذا ـ ونحوه ـ كثير في القرآن. لم يرد بعبادة الله إلا العبادة التي أمرت بها الرسل، وهي عبادته وحده لا شريك له، والمشركون لا يعبدون الله، بل يعبدون الشيطان وما يدعونه من دون الله، سواء عبدوا الملائكة أو الأنبياء والصالحين، أو التماثيل والأصنام المصنوعة، فهؤلاء المشركون قد عبدوا غير الله ـ تعالي ـ كما أخبر الله بذلك. فكيف يقال: إن جميع الإنس والجن عبدوا الله لكون قدر الله جاريًا عليهم؟ والفرق ظاهر بين عبادتهم إياه التي تحصل بإرادتهم واختيارهم وإخلاصهم الدين له وطاعة رسوله، وبين أن يعبدهم هو وينفذ فيهم مشيئته، وتكون عبادتهم لغيره: للشيطان وللأصنام من المقدور.

وهذا يشبه قول من يقول من المتأخرين: أنا كافر برب يعصى، فيجعل كل ما يقع طاعة، كما جعله هؤلاء عبادة لله ـ تعالى ـ لكونهم تحت المشيئة، وكان بعض شيوخهم يقول عن إبليس: إن كان عصى الأمر، فقد أطاع المشيئة، لكن هؤلاء مباحية، يسقطون الأمر.

/وأما زيد بن أسلم، ووهب بن منبه، ونحوهم، فحاشاهم من مثل هذا، فإنهم كانوا من أعظم الناس تعظيمًا للأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولكن قصدوا الرد على المكذبين بالقدر، القائلين: بأنه يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء، وهؤلاء حقيقة قولهم: أنه لا يقدر على تعبيدهم، وتصريفهم تحت مشيئته، فأرادوا إبطال قول هؤلاء، ونعم ما أرادوا! لكن الكلام فيما أريد بالآية.

وقول أولئك الإباحية يشبه قول من قال: إن العارف إذا شهد المشيئة سقط عنه الملام، وأنه إذا شهد الحكم ـ يعني المشيئة ـ لم يستحسن ولم يستقبح سببه، ونحو هذا من أقوال هؤلاء الذين تشبه أقوالهم أقوال المشركين الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148] ، كما قد بسط الكلام عليه، وبين أن إثبات القدر السابق حق، لكن ذلك هو الذي يصير العبد إليه، ليس هو الذي فطر عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانِهِ أو يُنصرَانِه أو يُمَجِّسَانِهِ، كما تُنْتِجُ البهيمة بهيمة جَمْعَاء، هل تحسون فيها من جَدْعَاء؟) . فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ضربه: أن البهيمة تولد سليمة ثم تُجْدَع، والجَدْع كان مقدرًا عليها، كذلك العبد يولد على الفطرة سليمًا، ثم يفسد بالتَّهَوّدِ والتنصير، وذلك كان مكتوبًا أن يكون.

وصاحب هذا القول إنما قاله ليبين ما خلقوا له، وقد قصد هذا طائفة/ فسروا العبادة بأمر واقع عام، وليست هي العبادة المأمور بها على ألسن الرسل، ففي تفسير ابن أبي طلحة المضاف إلى ابن عباس: إلا ليقروا بالعبودية طوعًا وكرهًا، وهذه العبودية كقوله: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [آل عمران: 83] ، وقوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} [الرعد: 15] ، وفسرت طائفة الكره بأنه جريان حكم القدر، فيكون كالقول قبله، والصحيح أنه انقيادهم لحكمه القدري بغير اختيارهم، كاستسلامهم عند المصائب، وانقيادهم لما يكرهون من أحكامه الشرعية، فكل أحد لابد له من انقياده لحكمه القدري والشرعي، فهذا معنى صحيح، قد بسط في غير هذا الموضع، لكن ليس هو العبادة.

وكذلك قال بعضهم: إلا ليخضعوا لي ويتذللوا، قالوا: ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله ـ تعالى ـ متذلل لمشيئته، لا يملك أحد لنفسه خروجا عما خلق.

وقد ذكر أبو الفرج قول ابن عباس هذا، قال: وبيان هذا قوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] ، وهذه الآية توافق من قال: إلا ليعرفون ـ كما سيأتي ـ وهؤلاء الذين أقروا بأن الله خالقهم لم يقروا بذلك كرهًا، بخلاف إسلامهم وخضوعهم له فإنه يكون كرهًا، وأما نفس الإقرار فهو فطري فطروا عليه، وبذلوه طوعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت