إن المنهج الذي يتبعه شيخ الإسلام ابن تيمية في تحديد النطاق العملي للفرقة في الإسلام ، يعتمد بالدرجة الأساس على نظرته الواسعة للأدلة الشرعية ، وفهمه الواسع للكتاب والسنة ، وهو عندما يبحث في تحديد مفهوم الفرقة لا يبتعد عن هذين الإطارين ، فهو ينظر إلى حديث الافتراق باعتباره حديثًا مشهورًا كثر كلام العلماء الناس حوله ، ومع ذلك فإن تحديد الفرقة عند ابن تيمية يتعدى تعداد هذه الفرق إلى بيان الفرقة الناجية ، إذ يقول في تعليقه على حديث الافتراق: (( ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم ، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء ، ولا تبلغ من هؤلاء قريبًا من مبلغ الفرقة الناجية ، فضلًا عن أن تكون بقدرها ) ) (54) .
وينبه شيخ الإسلام على ضرورة التحري في إطلاق تسمية ( الفرقة الناجية ) جزافًا وبدون دليل، فيقول: (( وأما تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات وذكروهم في كتب المقالات ، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من دليل ، فإن الله حرم القول بلا علم عمومًا ، وحرم القول عليه بلا علم خصوصًا ) ) (55) ، وهذا البيان الذي يقدمه شيخ الإسلام يبين نظرة أهل السنة والجماعة إلى الفرق الأخرى ، إذ أن الغالب في تعاملهم معها التحري والتدقيق ، في حين أن الفرق الأخرى تطلق هذه المصطلحات جزافًا ودون ورع .
ولذلك فكل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها هي الفرقة الناجية وأن ما عداها في ضلال وغواية ، قال ابن تيمية: (( فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى ، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة ، ويجعل من حالفها أهل البدع ، وهذا ضلال مبين فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (56) .