فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 185

وفي مقابل هذا المفهوم البائس، هناك أطروحة الحد الأقصى التي تزعم أنها ترى في الثقافات الشعبية ثقافات ينبغي اعتبارها ثقافات مساوية لثقافات النخب إن لم تكن أرفع منها.ويرى القائلون بهذه الأطروحة أن الثقافات الشعبية هي ثقافات أصيلة، وأنها ثقافات مستقلة تمامًا ولا تدين بأي شيء لثقافة الطبقات المهيمنة.والأغلبية يقولون بعدم إقامة أية تراتبية بين الثقافتين الشعبية و"المتعلمة".وبعضهم لا يتوقف عند هذا الحد، فيذهبون في جنوح إيديولوجي شعبوي إلى التأكيد أن الثقافة الشعبية قد تكون أرفع شأنًا من ثقافة النخب، لأن حيويتها تكمن في القدرة الإبداعية ل"الشعب"وهي قدرة تفوق قدرة النخب الإبداعية.يتضح في هذه الحالة، أننا نصبح أقرب إلى الصورة الأسطورية للثقافة الشعبية منّا إلى الدراسة الدقيقة للواقع.

لكن الواقع أعقد مما تعرضه هاتان الأطروحتان المتطرفتان.فالثقافات الشعبية تبدو، بعد التحليل، لا تابعة تمامًا ولا مستقلة تمامًا، ولا هي محاكاة صرف ولا إبداع خالص.وعلى هذا فهي لا تؤكد سوى أن الثقافة الخاصة هي مجموعة من عناصر أصيلة وأخرى مستوردة، ومن اختزالات خاصة واقتراضات.والثقافة الشعبية، مثلها مثل أية ثقافة، ليست متجانسة، لكن هذا لا يعني أنها تخلو من الانسجام.الثقافات الشعبية تعريفًا، هي ثقافات مجموعات اجتماعية تابعة.وبالتالي فإنها تتكون في ظروف الهيمنة.بعض علماء الاجتماع الذين يأخذون هذه الظروف بعين الاعتبار، يشيرون إلى كل ما تدين به الثقافة الشعبية للهيمنة الثقافية.فالتابعون يردون على الفرض الثقافي عبر السخرية والتحريض والتباهي الإرادي ب"فساد الذوق".إن الفلكلور، لا سيما العمالي أو فلكلور"الجندي البسيط"bidasse يوضح الكثير من أشكال التحول أو اللعب التهكمي إزاء التلقين الثقافي.فالثقافة الشعبية هي، بهذا المعنى، ثقافة احتجاجية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت