فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 185

الإنسان لا يملك أي شيء طبيعي خالص.حتى الوظائف البشرية المرتبطة بالحاجات الفيزيولوجية كالجوع والنوم والرغبة الجنسية وما إلى ذلك، تمليها الثقافة: المجتمعات لا تقدم تمامًا الأجوبة نفسها بالضبط، على تلك الحاجات.وفي المجالات التي تخلو من الإكراه البيولوجي تقوم الثقافة بتوجيه السلوك. لذا فإن الأمر:"كن طبيعيًّا"، وهو أمر نوجهه غالبًا للأطفال في الأوساط البورجوازية على وجه الخصوص، يعني في الواقع:"كن متوافقًا مع نموذج الثقافة التي نقلت إليك".

إذا أدركنا مفهوم الثقافة بمعناها الواسع على أنه الذي يحيل إلى أساليب الحياة والفكر، فإنه اليوم مفهوم مقبول بشكل واسع حتى لو انطوى هذا الفهم على شيء من الغموض.لكن الأمر لم يكن دائمًا كذلك.فمنذ أن برزت الفكرة الحديثة للثقافة في القرن الثامن عشر أثارت مناقشات حادة.ومهما كان المعنى الدقيق الذي أمكن خلعه على هذه الكلمة - وما أكثر تعريفات الثقافة!- فقد بقيت هناك اختلافات حول تطبيقها على هذا الواقع أو ذاك.لأن استخدام مفهوم الثقافة يدخلنا مباشرة في النظام الرمزي وفي ما يتعلق بالمعنى، أي في أصعب ما يمكننا الاتفاق عليه.

على الرغم من توجه العلوم الاجتماعية نحو الاستقلالية الابيستمولوجية، لم تكن أبدًا مستقلة عن السياقات الفكرية واللغوية التي تقيم فيها خطاطاتها النظرية والمفهومية.لذا فإن النظر في المفهوم العلمي للثقافة يقتضي دراسة تطورها التاريخي المرتبط مباشرة بالفكرة الحديثة للثقافة.ويكشف هذا الأصل الاجتماعي عن أنه خلف الاختلافات الدلالية حول التعريف الصحيح الذي ينبغي وضعه لهذه الكلمة، تختبئ اختلافات اجتماعية وقومية [ ... ] وصراع التعريفات هو في واقع الأمر تعبير عن صراعات اجتماعية حول المعنى الذي يجب خلعه على الكلمات الناجمة عن رهانات اجتماعية جوهرية، كما يقول عبد الملك صيّاد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت