فهرس الكتاب
لا شك في أن الثقافويين لم ينجحوا في تحديد طبيعة"الثقافة"بشكل نهائي كما يقول كرويبر [1952] .ويبقى النقاش مفتوحًا.وهو نقاش لم تتوقف الأنثروبولوجيا الثقافية الأميركية عن المشاركة فيه واستمرت في متابعة أبحاثها بشكل يغلب الابتكار عليه.ودروس الثقافوية أو الثقافويات غنية بالتعاليم.ولم يعد اليوم ممكنًا تجاهل وجود أشكال أخرى للعيش والتفكير وأنها ليست تجليّات أساليب قديمة من أي نوع، كما أنها ليست تجليات أي نوع من أنواع"الوحشية"أو"البربرية".ونحن ندين لتلك الدروس في أنها وضحت التجانس النسبي بين المنظومات الثقافية كلها.وكل منظومة هي تعبير خاص وأصيل لكل المنظومات الأخرى، عن إنسانية واحدة.
ساهم الباحثون الثقافويون كثيرًا في جلاء الغموض القائم بين ما ينشأ عن الطبيعة (عند البشر) وعن الثقافة وكانوا شديدي الانتباه إلى ظواهر خلط الثقافة بالمعنى الحقيقي للعبارة، مبينين أن الجسد نفسه من صنع الطبيعة.ويفسرون هذا بقولهم إن الثقافة"تفسر"الطبيعة وتقوم بتغييرها.حتى الوظائف الحيوية للإنسان كالأكل والنوم والجماع والوضع"تمليها"الطبيعة، بالإضافة إلى التغوّط والتبوّل والمشي والركض والسباحة الخ. إن هذه الممارسات التي هي من شأن الجسد تبدو طبيعية بما لا يقبل الشك، وهذا ما برهن عليه مارسيل ماوس عام 1936 في دراسته حول"تقنيات الجسد"حيث يقول:"إن المرء يختلف في طريقة جلوسه ونومه ومشيه من ثقافة لأخرى.ولا يمكننا ملاحظة الطبيعة عند الإنسان إلا بعد أن تقوم الثقافة بتغييرها."