وقد يستعمل مفهوم في علم م ا, ثم يهاجر إلى علم آخر أو علوم, مثل مفهوم الانتخاب والمنافسة اللذين انتقلا من البيولوجيا إلى الاقتصاد, وهكذا يتم التقدم العلمي بطريق آخر غير التراكم المعرفي المتصل, وإنما يتقدم بقطيعة وثورة يظهر إثرها نموذج جديد للعلم مباين لما قبله, فالعلم بهذا المنظار يصبح ذا صلة وثيقة بمنطق التاريخ, وبصيرورة الاجتماع البشري, وهذا لا يحط من قيمة العلم, بل يتيح له ذلك أن يتجاوز نفسه باستمرار, وهو سر ديناميكية العلم وحيويته, فالعلم بهذا يكمن تقدمه في مناقشة أخطائه وتفاديها دون توقف, وفي عدم الرضا الكلي عما نزعم أنه علمي يقيني قطعي, فالمناقشة الحرة والنظر النقدي من الوسائل الفعالة في تقدمه, وفي القرب من الحقيقة, فأخطاؤنا هي التي تعلمنا.
ونحن رأينا في التاريخ كيف أن الحروب الدينية في أوروبا ساعدتهم على المرانة على هذا النموذج من التفكير النقدي المنافي للتسلط, فذلك الذي جعلهم يتعلمون التسامح مع المعتقدات الأخرى المخالفة لمعتقداتهم, بل عل متهم احترامها, واحترام من آمن بها عن إخلاص كما يقولون هم أنفسهم.
فالمناقشة الحرة تبين أنه عندما يستمع بعض العلماء إلى بعض, وينتقد يعضهم بعضا آخر, فإن الحظ يسعدهم أن يقتربوا من الحقيقة أكثر, ذلك أن العلم ينبت في أرض ثقافية, والمعارف مرتبط بعضها ببعض, كما يرى أبو حامد الغزالي, والأفكار ترحل وتسير, والعقول تتلاقح, والنظم النظرية مفتوحة, وهذا ما يكفل لها هذا اللون من الغنى الذي ينشأ عن لقائها وتفاعلها وتقاطعها, وعن انتقالها من حدودها إلى حدود معارف أخرى من علوم الطبيعة إلى علوم الإنسان في نسيج الثقافة العلمية الإنسانية.