فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 93

وقال عليه الصلاة والسلام: لايحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"متفق عليه"

وقد أجمعت الأمة على مشروعيته.

فإن قيل: كيف يكون في مشروعية القصاص حماية للنفس مع إن فيه إتلافًا لنفس أخرى، فكيف تردعون عن سفك دم بسفكه؟ وهل مثل ذلك إلا كمثل إزالة النجاسة بالنجاسة؟

والجواب: أن القصاص من أهم الوسائل لحفظ النفس الإنسانية، وقد شرع الإسلام القصاص وجعل له من الضوابط ما يتم به تحقيق الغاية التي شرع من أجلها، ويظهر تحقيقه لحفظ النفس في الأوجه الآتية:

الوجه الأول: أن فيه حياة، كما قال تعالى:"ولكم في القصاص حياة"وكون القتل فيه حياة يتبين فيما يلي:

(كيف يكون في القصاص حياة؟) :

1 -أن فيه ردعًا لمن تسول له نفسه بالقتل، ولهذا قالت العرب: القتل أنفى للقتل.

يقول ابن القيم رحمه الله مبينًا هذا الأمر:"من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلم يردعهم، ويجعل الجاني نكالا وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله، وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة ... فأوقع العقوبة تارة بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح كالجناية على النفس أو الدين أو الجناية التي ضررها عام ; فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصة، والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة، كما قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} فلو لا القصاص لفسد العالم، وأهلك الناس بعضهم بعضا ابتداء واستيفاء، فكان في القصاص دفعا لمفسدة التجرؤ على الدماء بالجناية وبالاستيفاء. وقد قالت العرب في جاهليتها:"القتل أنفى للقتل". وبسفك الدماء تحقن الدماء، فلم تغسل النجاسة بالنجاسة، بل الجناية نجاسة والقصاص طهرة، وإذا لم يكن بد من موت القاتل ومن استحق القتل فموته بالسيف أنفع له في عاجلته وآجلته، والموت به أسرع الموتات وأوحاها وأقلها ألما، فموته به مصلحة له ولأولياء القتيل ولعموم الناس ... ففيه طهرة للمقتول، وحياة للنوع الإنساني، وتشف للمظلوم، وعدل بين القاتل والمقتول ; فسبحان من تنزهت شريعته عن خلاف ما شرعها عليه من اقتراح العقول الفاسدة والآراء الضالة الجائرة".

2 -أنه بالقصاص لا يقتل إلا القاتل فكان في قتل القاتل حياة لغيره، وكانوا في الجاهلية يقتلون غير القاتل، فقد ذكر جمع من المفسرين في سبب نزول قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى"أنها نزلت في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عبد قوم آخرين لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله من أجل أنه عبد حتى يقتلوا به سيده، وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا لم يرضوا من دم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت