فهرس الكتاب
فشرع الله تعالى حد السرقة على السارق، وهو قطع اليد، كما قال تعالى:"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله"وحد الحرابة على المحاربين، وهو القتل أو الصلب أو القطع من خلاف أو النفي من الأرض.
فإن قيل: ما الحكمة في قطع يد السارق؟ وهل في هذا إلا زيادة في الإتلاف وتنكيل في السارق بما لا يستحقه من العقوبه؟ إذ يكفي لردعه ما هو أقل من ذلك؟
فالجواب من أوجه:
1 -الوجه الأول: وهو جواب مجمل أشار إليه ابن القيم في الحكمة من مشروعية سائر الحدود، ذلك أن من شرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسا وقدرا هو عالم الغيب والشهادة، وأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، ومن أحاط بكل شيء علما وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم، وليست هذه التقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة، كما أن التقديرات الواقعة في خلقه كذلك، فهذا في خلقه وذاك في شرعه، ومصدرهما جميعا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه، فشمل إتقانه وإحكامه لكل ما شمله خلقه كما قال تعالى: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان، فلأن يكون تشريعه في غاية الإتقان أولى وأحرى.
وسبحان الله ما أعظم ظلم الإنسان وجهله فإنه لو اعترض على أي صاحب صناعة كانت ممن تقصر عنها معرفته وإدراكه على ذلك وسأله عما اختصت به صناعته من الأسباب والمقادير وكيف كان كل شيء من ذلك على الوجه الذي هو عليه لا أكبر ولا أصغر ولا على شكل غير ذلك يسخر منه، ويهزأ به، وعجب من سخف عقله وقلة معرفته، هذا مع أن صاحب تلك الصناعة غير مدفوع عن العجز والقصور وعدم الإحاطة والجهل ثم لا يسعه إلا التسليم له، والاعتراف بحكمته، فهلا وسعه ذلك مع أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أتقن كل شيء فأحكمه وأوقعه على وفق الحكمة
الوجه الثاني: أن الله شرع عقوبة السارق فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد، ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل.
ولما كان ضرر المحارب أشد من ضرر السارق وعدوانه أعظم، ضم إلى قطع يده قطع رجله، ليكف عدوانه، وشر يده التي بطش بها، ورجله التي سعى بها، وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا يفوت عليه منفعة الشق بكماله، فكف ضرره وعدوانه، ورحمه بأن أبقى له يدا من شق ورجلا من شق.