فهرس الكتاب
الوجه الثالث: أن الله شرع القطع وجعل له شروطًا لايكون إلا بها حتى ينحصر تطبيقه في أقبح صور الاعتداء وأشدها بشاعة، فمن شروط إقامة الحد:
-ثبوت البينة بالسرقة واتفاء الشبهة.
-أن تكون السرقة من حرز.
-وأن يكون المال المسروق ربع دينار فصاعدًا
-وأن تكون بخفية ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:"لا قطع على خائن و لامنتهب ولا مختلس"
والخائن: من يؤتمن على شيء فيخفيه أو بعضه أو يجحده
والمنتهب: هو من ينتهب المال علنا أما الناس.
والمختلس: الذي يسلب المال على طريقة الخلسة.
فإن قيل ما الحكمة في قطع السارق وعدم قطع الغاصب والخائن والمنتهب والمختلس؟
فالجواب: أن جريمةالسرقة أعظم من هذه الجرائم لما يلي:
1 -أن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسراق، بخلاف المنتهب والمختلس، فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلصوا حق المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق
2 -وكذلك فإن السرقة تتضمن الترويع والتخويف واختلال الأمن بخلاف هذه الذنوب.
3 -ثم إن درء الحد عن هؤلاء لا يعني عدم معاقبتهم إذ يسوغ كف عدوانهم بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال ونحو ذلك من التعازير.
فإن قيل: مالحكمة في قطع السارق في ربع دينار مع أن دية اليد إذا قطعت بمئات الدنانير، وهل هذا إلا نوع تناقض؟
فالجواب: بأن هذا من أعظم المصالح والحكمة، فإن الله احتاط في الموضعين للأموال والأطراف، فقطعها في ربع دينار حفظا للأموال، وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظا لها وصيانة، وقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال وضمنه بيتين، فقال:
يد بخمسمئي من عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من العار