فهرس الكتاب
الثاني: وعلى فرض ثبوته فإن تقريب الأول جاء على وجه يدل على أنه موافق لهم في الباطن.
قال في تيسير العزيز الحميد في فوائد هذا الحديث: وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر.
ثانيًا: الحاجيات
مأخوذة من الحاجة، والحاجة لغة تطلق على الاحتياج وما يُحتاج إليه.
واصطلاحًا، عرفها الشاطبي: بأنها المصالح التي يُفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوات المطلوب، فإذا لم تراع- تلك الحاجيات- دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة ولكن لا يبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة (أي المصالح الضرورية) .
وقوله على الجملة لأن الحرج والمشقة قد يلحق بعض الناس دون بعض بخلاف الضروريات، فإن الفساد الناجم عن الإخلال بها يطول كل الناس.
ومن الِحكَم في مشروعية الحاجيات:
1 -أن الحاجة مفتقر إليها من حيث التوسعة والتيسير ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج، واليسر ودفع المشقة والحرج في الأحكام الشرعية من مبادئ الشريعة.
يقول الشاطبي: إن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشاق والإعنات فيه. والتكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم. ومصالح الدنيا والآخرة ثلاثة أقسام كل قسم منها في منازل متفاوتة. أما مصالح الدنيا فتنقسم إلى الضرورات والحاجات والتتمات والتكميلات فأقل المجزئ من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح وغيرها ضروري. وما كان من ذلك في أعلى المراتب كالمآكل الطيبات والملابس الناعمات والقصور الواسعات فهو من التتمات والتكميلات، وما توسط بينهما فهو من الحاجات. وأما مصالح الآخرة ففعل الواجبات واجتناب المحرومات ضروري، وفعل السنن المؤكدات من الحاجات، وما عدا ذلك من المندوبات فهي من التتمات والتكميلات.
2 -أن الحاجيات وإن كانت أدنى رتبة من الضروريات باعتبار أن الضروريات هي الأصل إلا أن الحاجيات مكملة لها، والمحافظة عليها وسيلة للمحافظة على الضروريات، كما أن ترك الحاجيات يؤدي في النهاية إلى ترك الضروريات، لأن المتجرئ على الإخلال بالأخف معرض للتجرؤ على ما سواه، فالمتجرئ على الإخلال بالحاجيات يتجرأ على الإخلال بالضروريات، ولذلك قصد الشارع المحافظة على هذه القواعد الثلاث (الضرورية، والحاجية، والتحسينية) وهي مسألة لا يرتاب في ثبوتها شرعا أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع وأن اعتبارها مقصود للشرع.