فهرس الكتاب
-وكذلك صبر الصحابة، حيث كان في صبرهم تثبيت قلوب المسلمين، كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم الكفر وهم يفعلون به الأفاعيل حتى أنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول: أحد أحد ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول نعم فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول لا أسمع فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك، وكذلك عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة لما أسرته الروم جاءوا به إلى ملكهم فقال له تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي فقال له لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت فقال إذا أقتلك فقال أنت وذاك قال فأمر به فصلب وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى ثم أمر به فأنزل ثم أمر بقدر وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح وعرض عليه فأبى فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى فطمع فيه ودعاه فقال إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياما ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه ثم استدعاه فقال ما منعك أن تأكل؟ فقال أما إنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك بي فقال له الملك فقبل رأسي وأنا أطلقك فقال وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال نعم فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ فقام فقبل رأسه.
2 -أما إذا لم يترتب على صبره مصلحة لعموم المسلمين، فالأفضل هو الأخذ بالرخصة بالشروط السابقة:
لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه"
فإن قيل: يشكل على هذا ما جاء في الحديث {دخل رجل الجنة في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك؟ قال مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب قال: ليس عندي شيء فقالوا له قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله قال: فدخل النار، وقالوا للآخر قرب ولو ذبابا قال ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل قال: فضربوا عنقه قال فدخل الجنة} .
فالجواب من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح مرفوعًا.