فهرس الكتاب
أما إذا يممنا شطر كتب التفسير والحديث المحققة ، فإننا نلاحظ جهدًا مشكورًا ، وعناية جاوزت الحد فانقلبت إلى الضد ، مما أسميته ( الكتابة على الهامش ) ، حيث تطغى الهوامش والحواشي على المتن ، دون ضبط النسبة بينهما ، فتجد أحدهم يخرج حديثًا واحدًا في أربع صفحات ، وقد يكون من أحاديث الشيخين ( البخاري ومسلم ) مما قالوا عنه: إنه جاوز القنطرة ، وهذا يريحنا من عناء البحث والتعب ، فالثقة حاصلة بصحته .
ولكن بعض المحققين يحلو له أن يستعرض عضلاته على القراء ، فيضع كتب الرجال والجرح والتعديل في الحاشية ، مترجمًا لكل راوٍ في السند حتى ولو كان من مشاهير الصحابة أو الأئمة ، ويتبع هذا مجموعة من المصادر للترجمة تتكرر في كل صفحة تقريبًا ! كي يصل بعد هذا إلى الحكم على الإسناد ، وغالبًا ما يكون مسبوقًا إلى هذا من الأئمة المحدثين والحفاظ . وكان من الأجدى والأيسر على القارئ أن يشير إلى من فيه كلام من الرواة ، دون الكلام على سائر رجال الإسناد .
وقد نعتذر لهم عن هذه الظاهرة ، إذ قد يكون سببها أن الباحث بذل جهدًا وأضاع وقتًا في مراجعة المصادر ، فأراد أن يشرك القارئ معه ، ولم يضن عليه بالعلم ، فوضع كل ما قرأه في حاشية الكتاب ، سواء كانت الحاجة تدعو إلى ذلك أو لا تدعو إليه .
وهذا وإن كان يصلح في الأعمال العلمية بين جدران المعاهد والدراسات العليا (لإعداد رسائل الماجستير والدكتوراه) ، فما أظنه صالحًا عندما يعد الباحث رسالته للنشر في كتاب يطرح في الأسواق بين القراء . مع ما فيه من إضاعة للجهد ، ومن تكاليف باهظة في الطباعة ، وإعاقة عن إتمام التحقيق للكتب الكبيرة ، فضلًا عن تفريغ جيوب القراء وطلبة العلم والإثقال عليهم .