وحرموه؛ فإن اعتداد العلم دائر إلى معدنه، والجهل واقف على أهله» (62) .
وقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: «لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأنَّ علم العامة يقصر عَنْ مثل هذا» (63) - وانظر تعليق ابن رجب على كلام أبي داود في شرح العلل (64) -.
وقد حصل ما خشي الأئمة منه فتجد بعض المشتغلين بالحديث - فضلًا عَنْ غيرهم - يُغْلظ القول للأئمة عند نقله تعاليلهم للأخبار وأنه ما هكذا تُعل الأخبار ونحو ذلك من العبارات؛ لعدم فهمه لمرادهم وكيفية معرفة ذلك، وفي الأمثلة التطبيقية سأذكر حديثًا قال عنه أبو حاتم: «والحديثُ عندي ليس بصحيح كأنه موضوعٌ» فتعقبه بعضُ المعاصرين بقولهِ: «كذا قال أبو حاتم - رحمه الله - في العلل، وهل نترك ظاهر إسناد الحديث لكلام الإمام الحافظ أبي حاتم الرازي: (كأنه موضوع) أم نحكم بصحة الحديث بناءً على ظاهر إسناده؟!! علمها عند ربي، ولكن ما شهدنا إلاّ بما علمنا وما كنا للغيب حافظين. فحكمنا على الإسناد بظاهر الصحة وتركنا ما وراء ذلك» - راجع كلام مسلم وتأمله!! -.
وهنا كلامٌ نفيسٌ لابنِ رجب أرى لزامًا عليَّ أنْ أذكره بطولهِ؛ لأنَّه يُعبر عَنْ مرادي في هذا البحث، ومقصدي منه. قالَ: «عَنْ أبي هريرةَ - رضي اللهُ عنه - عَن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا حُدِّثتم عني حديثًا تعرفونه ولا تنكرونه فصدقوه، فإني أقولُ ما يُعرف ولا ينكر، وإذا حُدِّثتم عني بحديث تنكرونه ولا تعرفونه فلا تصدقوا به؛ فإني لا أقولُ ما يُنكر ولا يُعرف» ، وهذا الحديثُ معلولٌ أيضًا، وقد اختلفوا في إسنادهِ على ابنِ أبي ذئب، ورواهُ الحفاظُ عنه عَنْ سعيد مرسلًا، والمرسلُ أصحُّ عند أئمة الحفاظ منهم: ابن معين والبخاري وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة وقال: «ما رأيتُ أحدًا من علماءِ الحديث يثبت وصله» .
وإنما يحملُ مثل هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمةِ أهلِ الحديث