الصفحة 10 من 18

في القراءة والتلقي

ظهرت نظريات التلقي والتأويل بوصفها مناهج متجهة نحو القارئ كردة فعل على المناهج النصية التي أولت الاهتمام بالنص وأغفلت القارئ، وهذا ما دفعها للتركيز على القارئ في أثناء تفاعله مع النص الأدبي قصد تأويله وخلق صوره ومعانيه وأخيلته.

وعليه"فإن أهم شيء في عملية الأدب هي تلك المشاركة الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي أن الفهم الحقيقي للأدب ينطلق من موقع القارئ ومكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار له باعتباره هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه وهو كذلك القارئ الحقيقي له: تلذذا ونقدا وتفاعلا وحوارا. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج من جديد؛ لأن المؤلف ما هو إلا قارئ للأعمال السابقة وهذا ما يجعل التناص يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين"،

القراءة تختلف في الزمانوالمكان حسب طبيعة القراء ونوعيتهم وهناك أنماطا من القراءة:

نص مفتوح وقراءةمفتوحة.

نص مفتوح وقراءة مغلقة.

نص مغلق وقراءة مغلقة.

نص مغلق وقراءةمفتوحة.

ولا يكون النص نصا إبداعيا إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعالة بينالأركان الثلاثة المؤلف والنص و القارئ. ويدل هذا على أن النص الإبداعي يتكون منعنصرين أساسين: النص الذي قوامه المعنى وهو يشكل أيضا تجربة الكاتب الواقعيةوالخيالية، والقارئ الذي يتقبل آثار النص، سواء أكانت إيجابية أم سلبية في شكلاستجابات معينة لا تخلو من الترميز البالغ، وهذا يجعل النص يرتكز على الملفوظاللغوي والتأثير الشعوري في القارئ على شكل ردود تجاه محمولات النص. ومنهجية القراءة وفقا لهذه النظرية تسير باتجاهين: من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص، وبهذا فإن ما يقوله النص أو قائله من معان ومضامين ليس هو المهم وإنما ما يتركه من آثار شعورية وفنية وجمالية وعناصر تكتب الخلود للنص لدى القارئ.

وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية فيمكن حصرها في المفاهيم التالية:

1 -ثنائية القارئ والنص

2 -التأثير والتواصل

3 -العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي

4 -التحقق والتأويل

5 -القارئ الافتراضي المثالي

6 -أفق الانتظار

7 -ملء البيضات والفراغات والبحث عن النص الغائب

8 -النص المفتوح

9 -المسافة الجمالية.

وقد بدا الاهتمام بالقارئ والقراءة قبل ظهور نظرية التلقي، غير أن هذا الاهتمام لم يسفر عن تصور منهاجي نسقي لهذه العملية، بحيث بقي في طور البدايات، وإن الفصل الذي خصصه جون بول سارتر في كتابه"ما الأدب؟"تحت عنوان"لمن نكتب؟". يبرز بجلاء الانشغال المبكر لدى هذا الفيلسوف الوجودي بمسألة القارئ والقراءة.

فالقارئ شخص منخرط في التاريخ ليس بالقارئ المثالي ولا بالقارئ الساذج. ومعالمه تتحدد أيضا في ثنايا العمل الأدبي، إذ ما دامت"حرية المؤلف وحرية القارئ تبحث كل مها عن الأخرى، ويتبادلان التأثير فيما بينهما من ثنايا عالم واحد، فمن الممكن أن يقال: إن ما يقوم به المؤلف من اختيار لبعض مظاهر العالم هو الذي يحدد القارئ، كما يمكن أن يقال أيضا إن الكاتب - حينما يختار قارئه - يفصل بذلك في موضوع كتابه. ولذلك كانت كل الأعمال الفكرية محتوية في نفسها على صورة القارئ الذي كتبت له"

إن صورة القارئ المتضمنة في العمل هي ما سيصطلح عليها بالقارئ الضمني ينم تحليل جون بول سارتر، عن وعي عميق بوظيفته القارئ في انفتاح العمل الأدبي على إمكانيات لا نهاية من التأويلات، حيث انتقد التصور الذي يعلي من شأن المؤثرات الخارجية من جهة المؤلف يقول:"سيستهوي قوما القول بأن كل محاولة لتفسر عمل الفكر، عن طريق الجمهور الذي يتوجه به إليه، محاولة زائفة مفتعلة تتناول العمل تناولا غير مباشر. ألا يكون الأمر أيسر وأقوم وأدق إذا أخذنا ظروف الكاتب نفسه عاملا حاسما في إنتاجه؟ ألا يكون من الأوفق القول بفكرة"تين"في تأثير البيئة؟ غير أني أجيب هؤلاء بأن التفسير بالبيئة حاسم حقا من حيث إن البيئة تنتج الكاتب، ولذلك لا أعتقد في هذا التفسير. إذ الشأن في الجمهور أن يكون على النقيض من ذلك، لأنه يهيب بالكاتب، أن يضع أسئلة يتوجه بها إلى حريته. والبيئة قوة دافعة إلى الخلف، ولكن الجمهور على النقيض انتظار، وفراغ يملأ."

تستتبع نظرية التلقي علاقة جدلية بين أفق التوقع (ما يتضمنه النص) وأفق التجربة (ما يفترضه المتلقي) ، وتفتح حوارا بين الماضي والحاضر"مدرجة التفسير الجديد ضمن السلسلة التاريخية لتفعيلات المعنى". وقد جاءت هذه النظرية لاستدراك مسألة تاريخ الأدب التي استبعدت نتيجة الخلاف المحتدم بين الشكلانية والماركسية، وردم الفجوة الفاصلة بين المعرفة الجمالية والمعرفة التاريخية، وإعادة الاعتبار للنزعة الإنسانية التي غيبت من المحفل الأدبي إثر الإعلان عن موت الكائن البشري. وهي تنطلق من معاودة النظر في ثبات النظرة التقليدية للنص"فالمعنى .. ليس شيئا يستخرج من النص، أو يتم تجميعه من إيحاءات نصية، بل يتم التوصل إليه من خلال عملية تفاعلية بين القارئ والنص". لقد زعزعت نظرية التلقي التقليد السائد الذي كان يتعامل مع النص بوصفه قاعدة ثابتة للتأويل، وانزاحت عن المفاهيم التأويلية القديمة واضعة القارئ في مركز مشروعها التأويلي، و مؤكدة عدم الفصل بين النص المقروء وتاريخ تلقيه. وهكذا أصبحت للقارئ مهمة جديدة لا تختزل في التلقي السلبي والتواطؤ للبحث عن المعنى الوحيد والمحدد سلفا، وإنما تقوم على ملء فراغات النص وفرجاته، وإدراكه في صيرورته وليس باعتباره كينونة ثابتة، وبناء المعنى المتعدد من خلال التفاعل والتواصل معه (فعل القراءة) .

وكان جاتمان حدّد مستويات عدة للإرسال والتلقّي، تبعًا لنوع العلاقة التي تربط المرسل بالمتلقّي، فتوصّل إلى ضبط المستويات الآتية: 1.مستوى يحيل على مؤلف حقيقي، يُغزى إليه الأثر الأدبي، يقابله قارئ حقيقي يتجه إليه ذلك الأثر. 2.مستوى يحيل على مؤلف ضمني، يجرّده المؤلف الحقيقي من نفسه، يقابله قارئ ضمني يتجه إلى الخطاب. 3.مستوى يحيل على راوٍ ينتج المروي، يقابله مروي له يتجه إليه الراوي

إن الهدف المنشود الذي سعت إليه نظرية التلقي- رغم أنه ما يزال بعيدا عن التحقيق- هو إدراك"نظرية عامة للتواصل"ذات اختصاصات متداخلة، وهي نظرية تحتوي على جميع الاختصاصات وتتكون منها في الوقت نفسه""

بتصرف

يتبع ...

نظرية التلقي:

هذه النظرية صدى لتطورات اجتماعية وفكرية وأدبية في ألمانيا الغربية خلال الستينات المتأخرة.

وتهتم هذه النظرية بالقارئ وبما يثير القارئ في النص بغض النظر عن النص وشخصية المؤلف , بل تركز تركيزًا كليًا بكل ما يثير القارئ , والدور الذي يؤديه في إتمام النص وغيرها من الجوانب التي سأناقشها في النظرية.

العوامل المؤثرة في ظهور نظرية التلقي:

1_ المدرسة الشكلانية:

كان للشكلانين بما قاموا به توسيع مفهوم الشكل الذي يندرج فيه الجمال والجذب أن اسهموا بخلق طريقة جديدة للتغير ترتبط ارتباط وثيق بنظرية التلقي. وكان لاهتمامهم أيضًا بالأداة الفنية وما تحدثه من تغريب للتصورات في العمل الأدبي , وبما يشير هذا التغريب إلى علاقة القارئ بالنص فكان له دور فعّال في النظرية.

كما كان للتطور الأدبي وتعاقب الأجيال من أجل إحلال المبتدعات المثيرة لدى المتلقي محل التقنيات القديمة دور في نظرية التلقي (1) .

2_ ظواهرية رومان انجاردن:

ركز على العلاقة القائمة بين النص والقارئ. وأكد على دور المتلقي في تحديد المعنى, كما أنه له دور في العمل الأدبي وذلك حين يعمل خياله في ملئ الفجوات و الفراغات في النص التي يكتمل العمل الأدبي (2) . وكل ذلك له دور كبير في نظرية التلقي.

3_مدرسة براغ البنيوية:

لم يفصل البنيويون وخاصة موكاروفسكي العمل الأدبي بما هو بنيه عن النسق التاريخي , ويرى أنه لابد من فهم العمل على أنه رسالة إلى جانب كونه موضوعًا جماليًا. وبهذا فهو يتوجه إلى متلقٍ هو نتاج للعلاقات الاجتماعية المتغيرة , وبهذا المتلقي لا بمنشئه يفهم المقصد الفني الكامن في العمل (3) .

4_هومنيوطيقا جادامر:

قام بتطوير مصطلحين كان لهما أهميتهما لدى نظرية التلقي هما (التاريخ العملي) و (أفق الفهم) فالتاريخ وثيقة تضم خبرات لا يمكن استبعادها إذا أردنا الفهم من أجل تغيير العمل. وركز على علاقة المتلقي بالعمل وأن التوجه الاجتماعي والنفسي يؤثر في المتلقي ومن ثم في وعيه التفسيري العمل (1) .

5_سوسيولوجيا الأدب:

التركيز على الآثار التي أحدثها المنشؤن في زمانهم ويعد زمانهم, في نفوس المتلقيين الذين يدركون قيمة الأعمال ويقرورنها.

ولهذا لم يعد المؤلف وعمله الأدبي يحتلان مكان الصدارة , بل انصرف الاهتمام إلى المتلقي والظروف الاجتماعية التي تم فيها التلقي (2) .

يتبع ... مصطلحات نظرية التلقي

(1) انظر: هولب ,روبرت, نظرية التلقي , ت: عز الدين إسماعيل (جدة، النادي الأدبي، ط 1, 1994) 73 _84.

(2) انظر: نفسه،8 84_98. وقطوس، بسام: دليل النظرية النقدية المعاصرة (النقرة، دار العربية, ط 1 , 2004) 163.

(3) انظر: هولب, روبرت, نظرية التلقي ,98_111. أبو أحمد, حامد: الخطاب والقارئ , نظريات التلقي وتحليل الخطاب وما بعد الحداثة (الرياض , مؤسسة اليمامة , 1997) 64_68.

(1) انظر: هولب, روبرت ,نظرية التلقي , 112_128. و فضل ,صلاح: مناهج النقد المعاصر. (القاهرة, دار الأفاق العربية,1997) 143_144.

(2) انظر: هولب, روبرت, نظرية التلقي 135_141.

(3) البازعي, سعد: دليل الناقد الأدبي (مكتبة الملك فهد ,ط 2003,1) 133.

(4) خدادة, سالم: النص وتجليات التلقي (الكويت, حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية,2000) 44_48.دراسة, محمود: التلقي والإبداع قراءات في النقد العربي القديم، 35.

(5) سلدن، رامان: النظرية الأدبية المعاصرة، ت جابر عصفور (القاهرة، دار قباء، ط 1، 1998)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت