الصفحة 17 من 18

جامعة النجاح الوطنية

كلية الدراسات العليا

الإبداع والتلقي في الشعر الجاهلي

إعداد

محمد ناجح محمد حسن

إشراف

الدكتور إحسان الديك

ُقدمت هذه الأطروحة استكمالا لمتطلبات درجة الماجستير في اللغة العربية، بكلية

الدراسات العليا في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، فلسطين.

…المملكة العربيّة السعوديّة

…وزارة التعليم العالي

جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة

…كليّة اللغة العربيّة

قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي

التلقي في مؤلَّفات النَّقد العربي

إلى نهاية القرن الخامس الهجريّ

رسالة مقدَّمة لنيل درجة الماجستير في النَّقد الأدبي

إعداد

عبدالله بن محمّد الرميحي

إشراف

د. حبيب بن معلا المطيري

الأستاذ المساعد بالقسم

العام الجامعي

1427 هـ

الحمد لله, والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده.

أمَّا بعد:

فإنَّ النقد العربي القديم نقد له مكانته, وما زالت كثير من جوانبه بحاجة للبحث والتقصّي, وذلك لكثرة المؤلّفات النقديّة, وامتدادها الزّمني, واختلاف مناهجها, وتعدُّد الآراء فيها, واختلاف المواقف, وتبدّل زوايا النّظر, وانعكاس ذلك بالتالي على النتائج, وهو ما آذن بشيء من الثراء الذي لا بدّ أن يستفاد منه, لا سيّما في تأصيل مرحلة نقديّة صعبة كما هو حال المرحلة المعاصرة.

ويأتي بحث التلقي في النقد العربي القديم موضوعًا لم يجد العناية التي يستحقّها في النقد العربي الحديث, إذ لم تتراكم دراسات في هذا الجانب توحي بهذه العناية, وعند القياس مع ما أُتيح لمحوري المبدع والنصّ من دراسات, يتبيّن تضاؤل المساحة التي أعطيت للمتلقي, بالرّغم من الاهتمام الفائق الذي أبداه النقد العربي القديم بالمتلقي وقضاياه.

وانطلاقًا من تبديد الفكرة التي ارتآها كثير من النقّاد العرب, بأنَّ المتلقي لم يحظ بمزيد عناية في النقد العربي القديم, اكتفاءً بما ورد على ألسنة أصحاب نظريّة التلقي الحديثة, من أنَّ المتلقي أُهمل في الآداب القديمة, ولتبيين خطأ هذه الفكرة وتفنيدها, وبيان أنَّ الآداب الأخرى إذا كانت قد أهملت محور المتلقي في تناولها, فلا ينطبق هذا الأمر بالضّرورة على النقد العربي القديم, لا سيّما وقد وُضعت مؤلّفات في ذلك النقد بالانطلاق من هذا المحور, فلِتبيين الرأي الصحيح في هذا الأمر, وللمساهمة في معالجة قضايا كانت تبحث متفرّقة, دون أن يُدرك عمق صلتها بالمتلقي, كان هذا البحث, تفنيدًا للزّعم, وسدًّا للنقص.

وأمّا الدّراسات السّابقة حول هذا الموضوع فهي قليلة, لأنَّ دراسة المتلقي وقضاياه لم تنشط في النقد المعاصر إلا مؤخرًا, ولكثرة القضايا المتّصلة بالمتلقي وتعدّد زوايا النّظر اختلفت تلك الدّراسات في معالجتها, ما بين دراسات اهتمّت بالجانب التطبيقي, مستخرجةً بذلك أنماط التلقي ومستوياته, وانصرفت عن الاهتمام بالمباحث النظريّة المتعلّقة بالتلقي, وقضاياه المتناثرة في مؤلّفات النقد العربي القديم, أو دراسات وقفت على بعض قضايا التلقي, ولم تلتفت إلى معالجة شاملة لقضاياه المهمّة.

فمن الدراسات التي اهتمّت بالجانب التطبيقي في التناول: دراسة (المختارات الشعريّة وأجهزة تلقيها عند العرب من خلال المفضليّات وحماسة أبي تمّام) للدكتور إدريس بلمليح, وهي دراسة تعلّقت بالجانب التطبيقي في التلقي, ولم تقف على الجانب النظري كما يطرحه النقّاد المتقدّمون, وإن كانت قد مهّدت بباب متكامل حول نظريّة التلقي والتواصل في أصلها الغربي, وهي بذلك إنّما جعلت من (المفضليّات) و (حماسة أبي تمّام) ميدانًا تطبيقيًّا لما طرحته نظريّة التلقي الحديثة, وهو الأمر الذي يختلف عمّا أقوم به في هذه الدّراسة, إذ التوجّه فيها مهتمّ بالجانب النظري أكثر من التطبيقي, والبحث فيها هادفٌ لبناء صورة أُفقيّة للمتلقي في النقد العربي القديم, من خلال ما يقوله ذلك النقد, لا من خلال تطبيق ما تقوله نظريّة التلقي الحديثة.

وهناك دراسة الدكتور محمّدالمبارك (استقبال النصّ عند العرب) , وهي دراسة جمعت ما بين الجانب النظري والتطبيقي, ولم ينحصر ميدانها في مؤلّفات النقد العربي القديم, بل انصرفت كثيرًا إلى الجانب البلاغي, ودرست ما اتّصل ببلاغة الإعجاز القرآني, وماكتب الفلاسفة العرب, ولم تقف على حدّ زمني معيّن, إذ وصلت إلى حدود القرن الثامن الهجري, وقد كان لهذا التوسّع -من ناحية الميدان الذي جالت فيه, والمدّة الزمنيّة الواسعة- أثر واضح في عدم تغطية قضايا نقديّة مهمّة ذات صلة بالمتلقي, بالإضافة إلى المرور سريعًا على قضايا نقديّة بحاجة للتمهل والتمعّن, وهي أقرب ما تكون لدراسة التلقي من منظور بلاغي في اهتمامها ببلاغة المتأخرين, إذ أفرد لذلك الثلاثة فصول الأخيرة من دراسته, وأمّا الفرق بينها وبين ما قمت به في هذا البحث فتبدأ من الميدان الذي انحصر عندي بالمؤلّفات النقديّة, ولم يتطرّق للبلاغة إلا فيما اتصل منها بالنقد, بالإضافة إلى وقوفه الطّويل -إلى جانب البلاغيين المتأخرين- على نقّاد هم خارج الفترة الزمنيّة التي أتناولها, كحازم القرطاجني, وابن البناء المراكشي, والسجلماسي, يُضاف لذلك اختلاف كبير في هيكل البحث, وطريقة المعالجة.

وهناك دراسة الدكتور: محمود عباس عبدالواحد, (قراءة النصّ وجماليّات التلقي بين المذاهب الغربيّة وتراثنا النقدي) , وقد جاءت في ثلاثة فصول, الفصلان الأوّلان عن النظريّة في أصلها الغربي, بينما الفصل الثالث طرح فيه قضيّتين متصلتين بالمتلقي, وهما محاور التوصيل الأدبي, وطريقة التلقي ما بين المشافهة والقراءة, ولم يكن تناول هذين البعدين بشكل مفصّل حيث المصادر المحدودة في تناوله, والاكتفاء ببعض الإشارات.

وأمّا ما عدا ذلك من الدّراسات فهي إمّا دراسات جزئيّة في بعض قضايا التلقي, أو أبحاث مصغّرة في دراسة التلقي عند ناقد من النقّاد, لم تعالج في بحثها التصوّر العامّ للتلقي كما هو في النقد العربي القديم.

ولم أقف في هذا البحث على منهجٍ محدّد في التناول والمعالجة, إذ الحاجة داعية لاستخدام أكثر من منهج, فقد اعتمدت على المنهج (التاريخي) في تتبّع بعض القضايا النقديّة تاريخيًّا, منذ بدايتها وصولًا إلى الحدّ الزمني الذي يقف عليه البحث, وذلك فيما يحتاج من القضايا إلى الوقفة التاريخيّة, لمعرفة تطوّرها وما طرأ عليها بتوالي النقّاد والمؤلّفات النقديّة, يُضاف إلى ذلك المنهج (الاستقرائي) في استقراء بعض القضايا النقديّة, ومحاولة حشد كلّ الآراء التي قيلت فيها ضمن الإطار الزمني المحدّد, والمنهج (المقارن) فيما يخصّ إجراء المقارنة بين بعض قضايا النقد القديم ورؤية النقد الحديث, أو فيما يتعلّق بالموازنة بين آراء النقّاد القدماء فيما يتعلّق بقضيّة أو موقف نقدي, وتخضع هذه المناهج في نتائجها إلى النقد والتحليل, وما يضمّ هذه المداخل المنهجيّة هو انتماؤها في مجملها إلى مستوى نقد النقد, وهو ما يتوخّاه هذا البحث في دراسته للنقد العربي القديم.

وقد قمت بتقسيم البحث إلى أربعة فصول, مسبوقة بتمهيد, ويعقب هذه الفصول خاتمة. تحدّثت في التمهيد عن مفهوم التلقي في النقد العربي القديم كمدخل نظري لبحث هذه القضيّة, ثمّ حدّدت المؤلّفات النقديّة ميدان هذا البحث ضمن الأفق الزمني, المحدّد بنهاية القرن الخامس الهجري.

وفي الفصل الأوّل الذي قسّم إلى مبحثين, كان الحديث في أولهما عن حضور المتلقي, وتمّ التطرّق فيه إلى الاهتمام بالمتلقي في النقد العربي القديم, والمصطلحات التي أطلقت عليه, ومظاهر الحضور كما تجلّت في المؤلّفات النقديّة, وفي المبحث الثاني كان الحديث عن محاور التوصيل الأدبي (المبدع ,النصّ, المتلقي) , ومدى العناية بهذه المحاور في النقد العربي القديم, وصلة محور المتلقي بالمحورين الآخرين, والعلاقة القائمة بين هذه المحاور كما يتصوّرها النقّاد القدماء.

أمّا الفصل الثاني الذي درس العوامل المؤثّرة في التلقي, فقد قُسِّم إلى ثلاثة مباحث. كان الحديث في المبحث الأوّل عن حالة المتلقي, وتطرّقت فيه إلى الحالة الاجتماعيّة والنفسيّة والفكريّة, بالنظر إلى تأثيرها في التلقي, وأمّا المبحث الثاني فكان عن زمن التلقي, ودُرس تحته أثر العامل الزمني على التلقي, بما فيه تلقي النصوص المستعادة, والتلقي المواكب للنصوص المعاصرة للمتلقي, وكان المبحث الثالث عن وسيلة التلقي, حيثُ الوقوف على وسيلتي السّماع والقراءة, عبر القناة الشفويّة والكتابيّة في ضوء أثرهما على عمليّة التلقي.

والفصل الثالث رَصَد طبقات المتلقين, وقسِّم إلى ثلاثة مباحث أيضًا. كان المبحث الأوّل عن المتلقي المخاطب بالنصّ, أو ما يُعرف بالمتلقي المقصود, وشمل دراسة قضايا هذا المتلقي وملابسات تلقيه, ومفهومه بين العموم والخصوص, بينما المبحث الثاني كان عن المتلقي المتذوّق, تمّ فيه الحديث عن مفهوم التذوّق, وسعة المساحة التي شملها بين المتلقين, وفئاته التي اندرجت تحته, مع ذكر الشّواهد المؤيّدة, وكان المبحث الثالث عن المتلقي الناقد, تمّ الحديث فيه عن الاهتمام بهذا الناقد, وحضوره في النقد العربي القديم, وتمثّلات هذا الحضور, والفرق بينه وبين غيره من المتلقين, مع الاستشهاد على ذلك.

والفصل الرابع تطرّق إلى مستويات التلقي, فقسِّم إلى مبحثين, المبحث الأوّل عن التلقي الظاهري, بُيِّن فيه مفهومه, ومظاهره, وعيوبه, مع ذكر بعض الشواهد التطبيقيّة, وفي المبحث الثاني كان الحديث عن التلقي التأويلي, بُيِّن فيه -أيضًا- مفهومه, ووجوده في النقد العربي القديم, وأبرز ممثليه من النقّاد, والمناهج النقديّة التي كانت وسيلة للوصول إليه, مع ذكر الشواهد التطبيقيّة حول هذا النوع من التلقي.

وجاءت الخاتمة بعد ذلك مشفوعة بأهمّ النتائج التي توصّل إليها البحث, سواءً ما يتصل بالنتائج العامّة, أم النتائج التفصيليّة المهمّة, التي تخصّ قضيّة من قضايا التلقي التي تمّت معالجتها.

أمّا مصادر البحث فكانت مؤلّفات النقد العربي القديم إلى نهاية القرن الخامس الهجري, إذ هي ميدان هذا البحث, وقد تمّ الرجوع إلى قرابة الثلاثين مؤلَّفًا من تلك المؤلّفات النقديّة, تغطّي المساحة الزمنيّة منذ ابتداء التدوين إلى نهاية القرن الخامس الهجري, وقد فُصِّل في التمهيد بعض الاعتبارات في ذلك.

وأمّا مراجع البحث فهي متعدّدة, منها ما تعلّق بنظريّة التلقي في بُعدها النظري كما هي في العصر الحديث في مؤلّفات روّادها, ومنها ما كتب من دراسات نقديّة حديثة تمحورت حول النقد العربي القديم, سواءً من الناحية التاريخيّة, أم من ناحية تتبع قضيّة أو قضايا, أو دراسة ناقد من النقّاد.

وإن كان من صعوبات تُذكر في طريق هذا البحث, فإنّما هي في قلّة الدّراسات الحديثة التي عنيت بالتلقي في النقد العربي القديم, قياسًا على ما كتب حول المبدع و النصّ, ولم تكن هذه الصّعوبة عائقًا, بقدر ماهي حافز, بالإضافة إلى عدم توفّر بعض المراجع, التي احتاجت لجهد في سبيل الوصول إليها.…

ثمَّ إنّي بعد شكر الله -عزّ وجلّ- الذي أنعم وتفضّل, أتقدّم بالشكر الجزيل لكلّ من أعان على ظهور هذا البحث, وأخصّ منهم بالذكر الدكتور محمّد بن علي الصّامل, المرشد العلمي للباحث, والذي رعى البحث منذ أن كان فكرة, إلى أن تمّ تسجيله, فلم يتأخر في إبداء الرأي, وإسداء النصح والمشورة, والدكتور سعد أبو الرّضا الذي غمرني بكريم خلقه, فعاملني معاملة الأب لابنه, وهو الذي أشرف على هذا البحث في بدايته, فاستفدت منه في إنارة طريقي في هذا البحث فائدة لا تنكر, والدكتور حبيب بن معلا المطيري, الذي أعقب الدكتور سعد أبو الرّضا في الإشراف على البحث, فلم يبخل بالعون, وإبداء الرأي, ومساعدة الباحث, فله الجميل الذي لا يُنسى, والفضل الذي لا يُجحد, والدكتور وليد قصّاب فيما استشرته فيه, واستفدته من علمه, ومؤلَّفاته.

وبعد ..

فهذا هو البحث, بذلت فيه الجهد, وأسأل الله التوفيق والسّداد.

كانت هذه الدّراسة واعية بقلّة ما كتب حديثًا في النقد العربي عن المتلقي وقضاياه المبثوثة في مؤلّفات النقد العربي القديم , وتبيَّنت أنَّ الإحجام في جزء منه كان مبنيًّا على تصوّر إهمال محور المتلقي في ذلك النقد, اقتناعًا بما ذكره أصحاب نظريّة التلقي من أنَّ التوجّه إلى دراسة المتلقي وقضاياه إنّما هو توجّه حديث, ساد في الدّراسات النقديّة بعد أن أُهمل هذا المحور كثيرًا في سياق الاهتمام بالمبدع ومن ثمَّ النصّ. وإذا كان هذا الرأي مقبولًا فيما يخصّ النقد الغربي وصيرورته التاريخيّة, وتعاقب المناهج فيه على ما تمليه الناحية الظرفيّة وسياق التحوّلات, فلا يُقبل هذا الرأي في إطلاقه على ما يتعلّق بالآداب الأخرى, وهو ما وقع فيه بعض النقّاد العرب المعاصرين حين اطمأنّوا لمقولة التعميم هذه, دون استقصاء حقيقي يثبت صحتها, وقد كان الردّ في موضعه من البحث حول هذا الرأي وعدم صحته, إذ تبيّن للباحث -كما هو حال من بحث هذه القضيّة- أنَّ محور المتلقي من أهم المحاور التي اهتمّ بها النقد العربي القديم, وقد وصلت في ذلك إلى نتائج مهمّة يمكن إيجازها فيما يلي:

1 -…لايمكن معاملة النقد العربي القديم ونقّاده بآراء مسقطة تحاول أن تضمّهم في حيّز واحد, إذ تبيّن من خلال بحث قضيّة التلقي في ذلك النقد تعدّد آراء أولئك النقّاد, واختلاف توجههم, وربما تباين المواقف في بعض الأحيان, وهو ما يُثري ذلك النقد, ويجعل من إطلاق الأحكام مجانبًا للصّواب في كثير من الأحيان.

2 -…إذا كان التوجّه إلى المتلقي في الآداب الأخرى إنّما هو محل العناية في العصر الحديث بعد أن أُهمل هذا المحور كثيرًا, فإنَّ النقد العربي القديم لم يُهمل المتلقي في خطابه النقدي, بل جعل له في كثير من المواضع اليد الطولى, ولعلّ من أهمّ هذه المواضع ما يتعلّق بإصدار الحكم, وهي وظيفة نيطت بالمتلقي, واهتُمّ بها كثيرًا -على ما وُضِّح-, بالإضافة إلى رسم أُفق التوقّع للمتلقين كما هو في (عمود الشّعر) مثلًا, وقيام مؤلّفات بأكملها انطلاقًا من هذا المحور كما في (الموازنة) للآمدي و (الوساطة) للقاضي الجرجاني, وهو ما يُفنّد زعم إهمال المتلقي والتركيز على المبدع أو النصّ.

3 -…يحتاج موضوع التلقي ودراسته في النقد العربي القديم إلى تراكمات نقديّة تستفيد من المجالات التي لا تزال خصبة وبحاجة للبحث في سبيل إثراء هذا الموضوع.

4 -…حاولت هذه الدّراسة أن ترسم صورة أُفقيّة للتلقي وقضاياه في النقد العربي القديم, عبر الوقوف على حيّز ممتد من الزمن, وقد ثبت من خلال الدرس والتحليل إمكانيّة أن يُستثمر بحث التلقي بطريقة عموديّة تقف على ناقدٍ من النقّاد الذين لهم إسهام واضح في معالجة هذه القضيّة, وضمن حيّز هذا البحث من الممكن أن يُطرح ناقد كالإمام عبدالقاهر الجرجاني, إذ برهن على مقدرة فائقة في مجال التلقي على المستوى النظري والتطبيقي, وإذا كان بحث القضايا النقديّة عنده قد أخذ جانبًا من اهتمام النقد العربي المعاصر, فما يمنحه مدخل التلقي في دراسة نقده هو ترابط الأفكار ولمّ القضايا, لاسيّما وأنَّ مؤدّى نظريّته (نظريّة النظم) متّصل بجماليّة التلقي.

5 -…لابدّ أن يستفاد من النظرات الإيجابيّة التي يحتويها النقد العربي القديم, وقد أبان مدخل التلقي بإجرائيّته شيئًا من هذه الإيجابيّة, وخير سبيلٍ لذلك هو عدم الوقوف على مجرّد الدّراسة التاريخيّة, والاكتفاء بذلك, بل لا بُدّ أن يُستثمر ذلك في صالح النقد العربي الحديث, الذي هو بحاجة ماسّة لإيجاد رؤية واضحة له في خضم الاضطراب الحاصل, وما يؤمن به الباحث أنَّ النقد العربي القديم من الممكن أن يؤصِّل لانطلاقة نقديّة مباركة, متى ما حصل جهد في بحث هذا التراث وإبداع البناء عليه.

…والحمد لله أولًا وآخرًا,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت