الصفحة 16 من 18

إنّ الاشتغال النصّي للجهاز العنواني الدّاخلي تحكمه مقصديّة الذّات الكاتبة ورهاناتها الجماليّة، وهي مقصديّة تنعقد على هاجس التّشتيت والتّقطيع والتّفتيت للبنية النصّية وتفكيك وحدتها وإنهاك الحبكة الرّوائيّة وتقويض انسجامها، وكسر منطق الاسترسال الحكائي وانتظامه الخطّي، فضلا عن نزوع الكتابة إلى الانعطاف على نفسها والعكوف على ذاتها في ضرب من الانعكاس الذّاتي (Auto-reflexion) والافتنان النّرجسي بمظهرها النصّي، ذلك أنّ كثرة العناوين وتضخّم عددها على هذا النّحو اللاّفت إنّما يشكّل ضربا من عودة النصّ على ذاته ليعلن عن وجوده بوصفه كيانا لغويّا ماديّا يوشّح مظهره الخارجي بألوان التّوشية والزّخرفة والتوشيح، ويجمّل واجهته بصنوف الزّينة والبهرج والتّرصيع، والفرق بيّن بين النصّ العاطل (الخالي من العناوين) ، والنصّ المتبرّج (المثقل بالعناوين) .

وتتراوح العناوين الدّاخليّة في < مجازفات البيزنطي> بين العناوين الغرضيّة (thematiques) المتعلّقة بالمضامين والثّيمات، والعناوين الصّيغيّة (Rhematiques) المحيلة على جوانب الصّياغة ونمط الخطاب (الرواية الأولى والثّانية ... / سيرة تمهيديّة .. / ثلاثة أخبار .. / سيرة ذاتية/ حكاية للتّوضيح ... ) . وتتراوح أيضا بين العناوين الإخباريّة التصريحيّة الواضحة (السيدة تقول كلامها .. / بعد عشر سنوات من ذلك التّاريخ ... ) والعناوين الشعرية التلميحيّة الغامضة (جمرات اللّسان/ في كل محنة منحة/ ليل محتمل، نهار سوريالي/ ضوء السّهو ... ) . والمراوحة قائمة أيضا بين العناوين التراثيّة التأصيليّة (ثلاثة أخبار في سيرة عمر العيار/ محنة المشاقّ في اختراق الآفاق إلى أحد الأسواق .. ) والعناوين الحداثيّة التجديديّة (ضوء السّهو/ ليل محتمل، نهار سوريالي/ المشهد الأخير/ صورة بدون إطار ... ) .

ولعلّ هذا التنوّع في ضروب العناوين أن يكشف عن سمة التعدّد والتنوّع و"التكوثر"-بعبارة طه عبد الرحمان - وهذه السّمة قائمة في العنوان العام للأثر (الجزف: الأخذ بالكثرة) ، فالتعدّد يتمثّل في مستوى الأجناس الأدبيّة (الرواية/ الخبر/ السيرة/ الرسالة/ الحكاية/ التقرير/المسرح/ اليوميّات .. ) ، وفي مستوى الصيغ التعبيريّة أو البلاغيّة (التصريح/ التلميح- الغموض/ الوضوح-الإخبار/ الإثارة- الألفة/ الغرابة .. ) .

وهذا التعدّد أو"التكوثر"في مستوى العناوين الدّاخليّة ليس إلاّ تصريفا لصيغة الجمع في العنوان الرّئيسي (مجازفات/روايات) ، غير أنّ هذا التعدّد وما يستتبعه من تجزيء وتفتيت لا يعني الفوضى (خلاّقة كانت أو هدّامة) وإنّما ينتظمه منطق لا يكشف عنه النّقاب ولا يزيل الحجاب إلاّ التحليل النصّي الدّقيق للعمل الرّوائي، والتأويل القرائي اليقظ الذي يؤلف المختلفات ويجمع بين أعناق المتنافرات ويرصد الوحدة في الكثرة ويبحث عن النظام الخفي في الفوضى الظّاهرة.

ولئن نهضت استراتيجيّة العنونة في رواية"حليفي"< مجازفات البيزنطي> بوظائف عديدة من قبيل التسمية والتعيين والإغراء والإيهام وغيرها فإنّها كانت محكومة بمقصدية مراوغة، مخاتلة، تنحو نحو الإغماض والتّلبيس وتنزع إلى المجاوزة والمجازفة في مسار تجريبي تحديثي يحقّق للأثر الرّوائي فرادته وتميّزه واختلافه، وقد تجسّد هذا الاختلاف في جميع البنيات النصيّة التي يتشكّل منها العمل الرّوائي ولعلّ من أهمّها الفاتحة النصّية أو الاستهلال الرّوائي (Incipit) . فما هي ملامح التّجريب في هذا المكوّن النصّي؟

ليس اهتمام"حليفي"بالاستهلال الرّوائي أو"البداية"تنظيرا وإبداعا بأقلّ من اهتمامه باستراتيجيّة العنونة ممارسة نصّية وإجراء نقديّا، فكاتبنا روائيّ وناقد يتكلّم بلسانين أو بألسنة عديدة ومن العسير أن نفصل بين كلامه وكلامه على الكلام، أو بين إبداعه ونقده، دون أن يعني ذلك ارتهان الأوّل للثّاني أو إخضاع الثّاني للأوّل. وليس هذا سبيلنا في هذا الموضع على أيّة حال.

يعتبر"شعيب حليفي"أنّ"البداية"تشغل في الرّواية العربيّة"أهمية استراتيجيّة من أجل فهم آليات تكوّن النصّ وانفتاحه، كما تشكّل دورا توجيهيّا يقود الدّلالة من الكثافة والغموض إلى حقول توسّع المعنى وتضيئه."وتتأتى أهمية البداية أو الجملة العتبة -حسب الكاتب- من كونها"حلقة تواصل بين المؤلّف والسارد من جهة، وبين المتلقّي من جهة ثانية، وعبرها يتمّ تحديد العديد من المنطلقات الأوّلية التي تهمّ الجنس الأدبي وإفضاءاته."ومن خلالها يسعى الرّوائي إلى"رسم أنفاقه التخييليّة وشدّ القارئ للولوج معه وسبر تلك الخيالات المرفودة بأحداث وشخصيّات وأحلام ومجازفات".

إنّ البداية الرّوائيّة -لدى"شعيب حليفي"-"مجازفة وباب يقود المتلقي عبر اللّغة السّردية والأوصاف إلى عالم النصّ الرحيب حيث يتشكل البناء وتتفاعل المكونات من أجل تحقيق أدبيّة النص".

ولئن اقترن البحث في مسألة البداية أو الفاتحة بالنّظر في حدودها النصّية الملتبسة وتصنيفاتها الممكنة ووظائفها المنجزة، فإنّ موقعها الاستراتيجي الهامّ واشتغالها النصّي بوصفها موجّها ومحرّكا للنصّ ككلّ، يفرض على الباحث التلبّث عندها والوقوف على عتبتها لاستجلاء آلياتها وتبيّن وظائفها.

والنّاظر في < مجازفات البيزنطي> لا يكاد يتخطّى عتبة حتى تفضي به إلى عتبة ثانية وثالثة وأخرى .. في ضرب من التعرّج المتاهي والتعثّر النصّي المفضيين إلى أبواب مغلقة، موصدة، يحتاج معها القارئ/السالك في دروب النصّ الملتوية إلى"مفاتيح" [=عنوان البداية الأولى/ص 5] يستعين بها لفضّ مغالق المعنى وتوضيح غوامضه وتأويل دلالاته المحجّبة المستترة.

إنّ البداية في < مجازفات البيزنطي> بدايات، وهي مغايرة لنمط البداية في الرّواية الواقعيّة الكلاسيكيّة التي يستهلّها الرّوائي بتحديد الإطارين المكاني والزّماني والتّمهيد للعقدة ووصف الشّخصيّات نفسيا ومادّيا واجتماعيّا، والإمساك بيد القارئ لإدماجه شيئا فشيئا في العالم التخييلي للنصّ الرّوائي وإرغامه على الخضوع لمنطقة الإيهامي القائم على التّماهي والتطهير -بالمعنى الأرسطي للعبارة (Catharsis) - أمّا البداية النصّية في روايتنا التي نحن منها سبيل، فهي صادمة لوعي المتقبّل ومربكة لأفق انتظاره وبنية توقّعاته، باعثة على القلق والحيرة والتّساؤل، منطوية على أسرار ملغزة وأحاج معقّدة تنتظمها شبكة من الألفاظ لعلّها أن تكون هي"المفاتيح"المقصودة من العنوان: (متاهة - الوهم - تختلط - ألوان وأصوات - غايات ملتبسة - تحكي ما لا تعرفه أبدا - الثّرثرة - تدخين الكيف - تناوب فادح على الحكي .. )

وبهذا يمكن اعتبار البداية (الأولى) شبيهة بـ"صندوق الأدوات"الذي يحتوي"مفاتيح"النصّ أو مضارعة"للجينوم النصّي"الحامل للبرنامج الوراثي للسّرد والموجّه لنشاطه والمتحكّم بمسارات تخلّقه وتكوّنه وصيرورته، ولن نجد عبارة أشمل دلالة ولا أدقّ تعبيرا عن هويّة العمل الرّوائي وماهيته من عبارة"متاهة"بكلّ ما توحي به من معاني الغموض والغرابة والالتباس والتداخل والاختلاط والهذيان والوهم والفانطازيا ... وهي الملامح المميّزة للتجريب الرّوائي في < مجازفات البيزنطي> والسّمات المعبّرة عن خصوصيّته.

ولئن كانت وظائف البداية -في نظر"أندريا دالاّنجو"- تتمثّل في الإعلان عن انطلاق القصّ وإثارة اهتمام القارئ وإغرائه وتجنيس النصّ وإخراج التخييل من حيّز الكمون إلى مجال التحقّق الفعلي وغيرها، فإنّ وظيفة البداية في رواية"حليفي"لا تعدو أن تكون تعميقا للالتباس وتغميضا للدّلالة وتحفيزا للقارئ لاقتحام مجاهيل النصّ ودهاليزه المعتّمة والمجازفة مع المؤلّف في رحلته التخييليّة الرّوائيّة، وهي"رحلة يحتاج المرء [فيها] إلى استثناءات يدخل بها إلى هذا الاستثناء العظيم، كي يحيا ويتأمّل الهوّة والمتاهة ويصيخ السّمع إلى هديرهما الممتدّ".

ولا يخفي المؤلّف (السّارد؟) تعاطفه الماكر وتعاونه المخاتل مع قارئه المفترض حين يعلن في إحدى البدايات الممكنة لروايته/رواياته الموسومة بـ (حكاية بالأبيض والأسود) قائلا:"يباح لكلّ قارئ تأويل دلالات هذه الرّواية القصيرة جدّا انطلاقا من ثنائيّة الأبيض والأسود"، ويتداخل هذا الملفوظ من حيث ماهيته ووظيفته بالمقدّمة (Preface) التي يسوقها المؤلّف كاشفا عن خطّته في الكتابة واستراتيجيّته في السّرد عاقدا مع القارئ ميثاق التقبّل وشروط التّواصل، مؤكّدا على المظهر الوقائعيّ (l'aspect factuel) للنصّ الحكائي وطريقته في عرض الأحداث وتقديمها ومبرزا نصيب الواقع من الخيال والحقيقة من الوهم في الحكاية ومقترحا كيفيّة ملائمة لقراءة النصّ وتأويل دلالاته.

إنّ العالم التخييلي المتاهي الذي يشيّده المؤلّف في عمله الرّوائي قائم على استراتيجيّة نصّية قوامها التّلاعب بأعراف السّرد الرّوائي ومواضعاته، وإرباك القارئ ومصادمة توقّعاته، وزعزعة اطمئنانه ويقينه و"أمنه القرائي"، وتلك هي حكمة الرواية -في نظر"ميلان كونديرا"-"حكمة اللاّيقين"وانهيار الثّوابت وثورة الشكّ والرّيبة، فالرّواية تنطلق ولا تبدأ، والعنوان يعيّن ولا يشير، يثبت وينفي، يبيّن ويعمّي، في ضرب من الاشتباه والتّمويه، وفي سياق ملتبس غامض لا يزيده سؤال التجنيس إلاّ تلبيسا وتدليسا.

لئن كانت الرّواية -على وجه العموم- جنسا مارقا خارجا على كلّ القوانين، و"الجنس الذي لا حدود له"، فإنّ نصّ < مجازفات البيزنطي> لشعيب حليفي يعلن منذ عتباته النصيّة الأولى مناوأته لنظام الأجناس وتمرّده على قوانينه ومواضعاته، إذ تعمد القرائن والمؤشّرات الطّباعيّة إلى وسم الأثر بتسميتين أجناسيتين مختلفتين وهما"رواية"بصيغة الإفراد، و"روايات قصيرة جدّا"بصيغة الجمع المخصّصة بنعت (قصيرة جدّا) . وإذا كانت التسمية الأولى مألوفة معهودة في الاستعمال والتّداول، فإنّ التسمية الثّانية مباينة للشائع والمعروف من المصطلحات الأجناسيّة الرّائجة في مجال الكتابة السّرديّة الرّوائيّة، ولعلّها المرّة الأولى التي يجنّس فيها كاتب روائيّ نصّا على هذا النّحو.

ولمّا كان"الجنس"الأدبي مصطلحا قرائيّا ومفتاحا تأويليّا يحدّد أفق الانتظار ويوجّه مسارات التقبّل ويضبط مراسم القراءة وبروتوكولاتها، فإنّ استراتيجيّة التجنيس في كتابه"حليفي"تنصرف إلى التّعتيم والتلبيس والإغراب وتهدف إلى إرباك القارئ وتخييب انتظاراته ومصادمة توقّعاته، ذلك أنّ النصّ الذي ينشئه ملتبسة هويّته، غامضة ماهيّته، يتردّد بين الوحدة والكثرة، بين الإفراد والجمع، بين الإطناب والاقتضاب، .. فهل يتعلّق الأمر برواية واحدة منسجمة مكوّناتها، متماسكة عناصرها، متلاحمة أجزاؤها أم بروايات أربع لا رابط بينها ولا ناظم سوى تجاورها بين دفتي كتاب واحد، وكأنّنا إزاء مصنّف مجموع لا نصّ موضوع. أليست"الكثرة"و"مجاوزة الحدّ والمقدار"من معاني"المجازفة ومصاحباتها الدّلاليّة؟ أو ليس التّجريب والحداثة"تجاوزا مستمرّا للأشكال"؟."

ذاك هو ما يتكشّف للنّاظر حالما يستجلي النّسيج النصّي الذي ينتظم الأثر، فإذا هو مجمع أجناس (Archi-genre) ومحفل أنواع، فسيفساء من الأجناس والأنماط الخطابيّة،"جوقة"من الأصوات متآلفة في اختلافها، متناغمة في تنافرها، متنابذة في تجاذبها، إنّها كتابة مجاوزة للأنواع أو"عبر - نوعيّة"-حسب مصطلح الخراط - لا تخضع لنظام يوحّدها سوى فوضاها، ولا منطق يحكم تعالقها سوى غرابة تجاورها وتحاورها وتجاوزها. فإذا نحن إزاء أشكال من القصّ تتنازعها هواجس التأصيل ومنازع التحديث، فتتجاور"الرحلة"و"الخبر"و"السيرة" (الغيرية) و"الحكاية"و"أدب الأيام"و"تعبير المنام"والحكاية المثلية مع"الرواية"و"السيرة الذاتية"و"اليوميات"و"الترسّل"، وتتصادى الفنون القوليّة مع الفنون اللاّقولية من رسم وتصوير (صورة بدون إطار / حكاية بالأبيض والأسود .. ) وفنّ الفرجة (التقسيم إلى فصول ومشاهد .. ) . غير أنّ ما يزيد في تقويض الهوية الأجناسيّة لـ< مجازفات البيزنطي> وتهديد صفائها النّوعي إنّما هو ما عبّر عنه بعض النقاد بعبارة"تشعير الحكاية" (Poetisation du recit) وما يترتّب على ذلك من تنازع وتدافع، أو من توالج وتواشج، بين مقامين تلفظيين متباينين في الأصل والطبيعة والفاعلية وهما مقام التلفظ الغنائي (lyrique) بما فيه من ذاتية، وانفعاليّة، وتعبير استعاري وصوغ مجازي وتخييل شعري، وانزياحات أسلوبيّة عن مألوف العبارة ومعهود القول، وبين مقام التلفّظ السردي بما فيه من"موضوعيّة"ونزوع إلى التمثيل والإخبار والتقرير، والإيهام المرجعي والحرص على التوصيل والتّبيين والتّوضيح.

وقد أضفى هذا التداخل والتفاعل بين المقامين ضربا من الالتباس والإرباك على سعى القارئ إلى تجنيس الخطاب وتحديد هويّته النصّية، ذلك أنّ اختراق"الشعريّ" (le poetique) للسردي (le narratif) قد أفضى إلى انتهاك قواعد الجنس الرّوائي وكسر منطق انتظام السّرد فيه وكسر زمنيّته الخطية والإخلال بنسق استرساله، وذلك من خلال جنوح الخطاب في الأثر الذي نحن منه سبيل، إلى العدول عن الإبانة والإيضاح والتصريح إلى الإغراب والإغماض والتّلميح، والانصراف عن التّمثيل السّردي والإيهام المرجعي إلى التأثير الانفعالي والتخييل الاستعاري، والاستعاضة -في مواضع كثيرة- عن الإبلاغ بالبلاغة، وعن الإخبار بالوقائع إلى الإمتاع بالصّور. فالأنا المتلفّظ في يحتفي باللّغة أيّما احتفاء وينتشي بتجويد العبارة وتبعيد الإشارة ويمضي في تغميض الاستعارات وتعقيد المجازات، في ضرب من الانجذاب والانخطاف، أو لم يقل القائل (؟) في أحد المواضع:"السهو هو أغبرة عيارية للنفس لا تخصب إلاّ التيه أو التأمّل، أمّا الكلام فهو لحظات المناجاة الصوفيّة" (ص 89) .

إنّ الإهاب الشّعري الذي يكسو اللّغة في نص"حليفي"هو الذي يحوّل وجهة الخطاب ويصرف اهتمامه من الوظيفة التمثيلية بالإحالة على العالم المرجعي إلى الوظيفة الشعرية بانعطاف الكلام على ذاته وافتتانه النرجسي بصورته في"مرايا التجلّي". يقول القائل (؟) [هل هو السارد أم المؤلف؟] :"اقترب من بياض اللّوحة الملئ بمرايا التجلّي، حوض القيامة، أو حوض التوبة من خطايا هذا العالم، كبس نظراته وفتح شريعة الخيال ثم خطّ بريشة صرخته الجميلة ..." (ص 30) .

غير أنّ المكوّن"الشعريّ"في نصّ"المجازفات"لا يقتصر مجال اشتغاله في مستوى بلاغة العبارة وشعريّة اللّفظ، وإنّما يتجاوز ذلك إلى مستوى بلاغة الجنس وإنشائيّة النوع الأدبي، وهو ما يظهر بجلاء في مستوى تركيب الأفعال السردية وطرق انتظامها في هيأة من التشتّت والتبعثر والتفتيت، وفي مستوى بناء الفواعل ومنطق تشكيلها في ضرب من المراوحة بين الوحدة والكثرة، وبين التفرّد والتعدّد وبين الوجه والقناع، وبين الذّات والقرين (son double) ، وبين الواقعي والعجيب، وبين الإنساني والحيواني، ... فالكلّ يرتدّ إلى الواحد يجمعه ويضمّ شتاته، والواحد يتشظّى إلى آحاد متفرّقة متباعدة،"فعمر العيّار"و"العيساوي"و"أحمد العباوي"و"مصطفى الخمري"جمع في صيغة المفرد أومفرد في صيغة الجمع تفرّق بينهم أوضاع النشأة وأحوال المعيشة وأوساط الحياة، ويجمعهم الانتماء إلى زمن التيه والخيبة والضّياع والهزيمة والانجذاب إلى متعة القصّ وصناعة الأوهام واختلاق التخاييل، والالتقاء في مقهى"بيزنطة"تلك"المساحة الضّروريّة لدفن الاستيهامات واستكمال الحرب الباردة ... في النّفس المشقوقة" (ص 50) . و"مرتع التفكّر والبحث عن الحياة"، حيث تقتعد الشخصيات"في جلسات تفاوض مسمّى حول حصصها من تدخين الكيف وشرب الشّاي والوهم اليومي فتختلط أدخنة كلّ شيء بأبخرة الثّرثرة والحكي .. وبمختلف ألوانها واصواتها الممتدّة مثل غايات ملتبسة" (ص 5) في هذا المكان تتحوّل الثّرثرة إلى حكايات، ويستحيل الخيال إلى واقع، ويغدو الواقع وهما واختلاقا واستيهاما وفانطازيا ...

إنّ التقطّع والتفكّك والتعدّد والتشظّي والتفتيت ... هي القانون السّاري في مفاصل النصّ والنّول الذي ينتسج عليه ويلحم سداه، فلا انتظام ولا انسجام، بل انقسام وانفصام في جميع مستويات النصّ ومكوّناته، أفعالا وفواعل، خطابا وحكاية، وصفا وسردا، شكلا ومضمونا، وكأنّ مسعى الذّات الكاتبة في خطابها هو البحث عن"دليل الاستعارة البيضاء (ص 92) والتوغّل في"اللّحظات الموغلة في الإشراق" (ص 92) ، فـ"كلّ البدايات بدلالاتها المتقطّعة هي حطب للحكاية المفتقدة وإلهام للبحث عن الكلام الأوّل" (ص 92) ."

و"اللّغة وحدها التي تؤسس للفعل وتقيم علاقتها المتحرّرة مع الموت والمنفى والخيمة المعزولة" (ص 21) . أمّا الكتابة فهي تذكير دائم بالعجز"مادامت تعويضا ما -رمزيا أو وهميّا- عن فقدان أو كبت" (ص 42) ...

ولا يخفى - من خلال هذه الشّواهد المنزوعة من النصّ- ما للرّواية الواصفة أو [الميتاروائي] (metafiction) من دور في تشكيل شعرية الخطاب الروائي وبلاغته التخييليّة، إذ يضطلع المتلفّظ في < مجازفات البيزنطي> بمهمّة الكلام والكلام على الكلام، فينكفئ الخطاب على ذاته مفتتنا بنفسه كاشفا عن بعض أسراره، محيلا على قوانين انتظامه وآليات اشتغاله، مصرّحا على نحو جليّ ظاهر حينا وملمّحا بطريقة خفيّة ضمنيّة حينا آخر.

فإذا الكلام نقل لأفعال الشّخصيّات وأحوالها وأقوالها، و"إفضاء بهواجس الذّات المتلفّظة وخيباتها وانكساراتها و"تركيب العبارة من حروف خاسرة" (97) وإخبار عن شواغل الكتابة وعذاباتها في بحثها الدّائم عن"الحقيقة المفكّكة" (ص 90) :"أين الحقيقة إذن. إنّها هناك، وهي هنا تتشكّل من تراكم الأوهام" (ص 97) ، وليس من المصادفة في شيء أن تشترك الشّخصيّات جميعها في افتنانها بالقصّ وانجذابها إلى متعته ولذعته، إلى عذوبته وعذابه، تتداول على صياغة الأوهام وصنع الحكايات، وتتناوب على الاستيهام والاسترجاع والاستلذاذ بجمرات اللّسان الحارقة وترويض الكلام وإرغامه على قول ما لا يقال وحكاية ما لا يحكى (l'inarrable) . بل إنّ من الشّخصيّات (=مصطفى الخمري) من يمتهن الكتابة ويحترف القصّ، فتتحوّل بذلك"كتابة المغامرة"إلى"مغامرة كتابة"وتستحيل الرّواية إلى رواية في الرواية وعن الرّواية (le roman dans le roman et sur le roman) ."

وقد أثّرت هذه الظّاهرة البنائيّة في التشكّل النصّي للخطاب الروائي، من خلال تراكب مستويات التلفّظ (Juxtaposition des niveaux enonciatifs) واشتغال السّرد وفق آليّة التّغوير (la mise en abyme) أو القصّ المرآوي (le recit speculaire) - بعبارة"لوسيان دالنباخ"- فتحيل الرّواية على ذاتها وتتحوّل الكتابة إلى موضوع للتّشخيص (l'auto-representation) ، وإذا الرّواية المشخَّصة (represente) صورة مصغّرة أو مرآة مقعّرة (un miroir convexe) تنعكس عليها الرّواية المشخِّصة (representant) في تفكّك بنائها وتشتّت عناصرها، وفي ضياع شخصيّاتها، وانكسار آمالها، وإخفاقاتها، وفي صياغة لغتها ونظم أساليبها وأدائها.

إنّ < مجازفات البيزنطي> لشعيب حليفي مغامرة روائيّة جريئة في اندفاعها نحو مجهول الكتابة ومستحيل إمكانها، وفي اقتحامها متاهة القصّ ولذّته الباذخة. إنّها نصّ المجازات يحتفي بالمغايرة والاختلاف، وينأى عن المطابقة والائتلاف، يصوغ قلق الذّات وأوجاعها وإخفاقاتها، ويبوح بخيباتها وهزائمها وانكساراتها، يصدم وعي القارئ ويخالف انتظاراته وتوقّعاته، يتلاعب بقواعد التجنيس وينتهك أعراف السّرد ومواضعاته، يحدّق في مرآة ذاته في افتتان نرجسيّ، يمزج الشّعر بالنّثر، والواقع بالخيال، والحقيقة بالوهم، والأليف بالعجيب، .."يرتّق للحكاية فصولها الضائعة"ثمّ"يبدّدها ويذيبها وسط أوجاع السّنوات" (ص 48) ... يقول الكاتب مصطفى الخمري (ولعلّه القرين النصّي أو الأنا الثّاني المتخيّل للكاتب شعيب حليفي!) :"العين القارئة تعرف كيف تمشي بالنظريّة، وتتعثّر حينما تقوم للمشي أما العين المبصرة فإنّها قادرة على كلّ شيء." [ص 93] ، ولكن ... أنّى للعين المبصرة أن تحدّق في شمس النصّ المتوهّجة دون أن تعشى أو تعمى؟! بل أنّى لها أن ترى أو تبصر وقد عزم المؤلّف عامدا متعمّدا على إخفاء ما تسعى إلى إجلائه وحجب ما تعمل على كشفه، وإغماض ما ترمي إلى إيضاحه والإبانة عنه؟! يقول المؤلّف على لسان قرينه"مصطفى الخمري":"رأيت كلّ شيء. لن أستطيع، الآن على الأقلّ، قول ذلك بكلّ فصاحة، ولكنّي هنا أتحدّث للتّمويه" (ص 93) !

هوامش:

يمكن العودة لتبيّن مفهوم التجريب ومشكلاته النّظريّة والإبداعيّة إلى المراجع التّالية:

أ - محمد رشيد ثابت، التّجريب وفنّ القصّ في الأدب العربي الحديث في السّبعينات والثّمانينات: (بحث مرقون لنيل شهادة دكتورا الدولة بإشراف الأستاذ د. حسين الواد) ، كلية الآداب منوبة، السّنة الجامعيّة 2002 - 2003.

ب - محمد أمنصور، استراتيجيات التجريب في الرواية المغربيّة المعاصرة، شركة النّشر والتّوزيع المدارس، الدّار البيضاء، 2006.

ج - الرّواية المغربيّة - أسئلة الحداثة (وقائع ندوة وطنيّة عقدها مختبر السرديات بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بنمسيك- الدّار البيضاء/ نشر دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع - الدّار البيضاء - 1996.)

د - عبد الرّحيم العلاّم، سؤال الحداثة في الرّواية المغربيّة، إفريقيا الشّرق - الدّار البيضاء، 1999

محمد الباردي، إنشائيّة الخطاب في الرّواية العربيّة الحديثة، مركز النشر الجامعي،2004، تونس، ص 291.

المرجع السابق، ص 303. ويصوغ الباردي، في موضع آخر، تعريفا آخر للتّجريب بكونه"استراتيجيّة فنية تسعى إلى تقويض النّمط والنّموذج وتطمح إلى أن تجعل الكتابة داخل الجنس مفتوحة دائما تتوسّل البحث المتواصل عن شكل جديد ورؤية متجدّدة". (انظر:"التجريب في الرواية المصرية من خلال نموذجين"، ملتقى الروائيين العرب الأوّل، مهرجان قابس الدولي-تونس/دار الحوار-سورية،1993، ص 55)

يقول كونديرا:"فالحقيقة الشّمولية تستبعد النّسبيّة والشك والتّساؤل، ولا يسعها أبدا أن تتصالح مع ما سأسمّيه روح الرّواية" (فنّ الرّواية، ترجمة بدر الدّين عرودكي، إفريقيا الشّرق - الدّار البيضاء، ص 21) .

ويقول أيضا في سياق ربطه بين نشأة الرّواية وميلاد الأزمنة الحديثة:"عندما كان الإله يغادر ببطء المكان الذي كان يحكم منه العالم وسلّم قيمه، يفصل بين الخير والشرّ ويمنح معنى لكلّ شيء، خرج دون كيشوت من بيته ولم يعد قادرا على التعرّف على العالم. فقد بدا هذا العالم فجأة، في غياب حاكم أعلى، غامضا غموضا رهيبا، لقد تفتّتت الحقيقة المطلقة الوحيدة إلى مئات من الحقائق النّسبيّة يتقاسمها النّاس. هكذا ولد عالم الأزمنة الحديثة، والرواية صورته ونموذجه، معه." (م. س، ص 15) .

العبارة لادوارد الخراط: انظر شهادته في ملتقى الرّوائيّين العرب الأوّل بقابس وعنوانها:"مهاجمة المستحيل، سيرة ذاتية للكاتب" (مرجع مذكور، ص ص 99 - 111) .

انظر الفصل الموسوم بـ"استراتيجيّة العنوان"في كتابه: هويّة العلامات - في العتبات وبناء التّأويل، دار الثّقافة للنّشر والتّوزيع، الدّار البيضاء، ط 1. 2005.

المرجع السّابق، ص 11.

نفسه، ص 11. ويمكن لمزيد التوسّع في قضايا علم العنونة (Titrologie) العودة إلى المراجع التّالية:

• د. خالد حسين حسين، في نظريّة العنوان- مغامرة تأويليّة في شؤون العتبة النصيّة، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، 2007.

• بسام قطوس، سيمياء العنوان، وزارة الثقافة، الأردن،2001.

• جميل حمداوي، السيميوطيقا والعنونة، عالم الفكر، العدد الثالث، المجلد الخامس والعشرون، يناير/مارس 1997.

حليفي، هوية العلامات، ص 12.

راجع مادة (ج ز ف) في لسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط للفيروز أبادي.

نقلا عن شعيب حليفي، هوية العلامات، ص 11.وقد صدّر به الفصل الأوّل من هذا الكتاب.

كثيرا ما يستعمل حليفي في كتاباته النّقدية كلمة"مجازفة"مفردة أو مضافة إلى السّرد أو المعنى:

-"والعنوان في كلّ هذا تتجاذبه جدليّة مشفوعة بمخيّلة شديدة الحذر، وذات حساسيّة عالية تقتنص الجوانب الدّلاليّة والمجازفة في آن" (ص 38)

-انظر عنوان الفصل الثّالث من كتابه المذكور:"وظيفة البداية ومجازفات المعنى" (ص 91) .

-"... وكأنّ الرّهان هو إيجاد شكل مغامر لمجازفات السرود القادرة على استيعاب كلّ التمزّقات والخيبات الذّاتيّة والجماعيّة بدلالات توازي في عنفها بطش الواقع والتّاريخ" (ص 152) .

"التلغيز"عبارة استعملها"حليفي"في حديثه عن وظائف العنوان، المرجع نفسه، ص 23.

يقول ش. حليفي:"فالرواية نص أدبي متخيل وليست نصّا علميّا تشفع له ضرورة العلم والالتزام بالمنطق بأن يكون عنوانه مطابقا، بل إنّ الرّواية تؤثّث عناوينها بالبلاغة والإشراقات الشّعريّة، كما تعمد إلى لعبة المراوغة والإيهام." (م. س، ص 33) .

طه عبد الرحمان، اللّسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،1998.

انظر الفصل الثالث من كتابه المذكور:"وظيفة البداية ومجازفات المعنى"، ص 91.

م. نفسه، ص. ن.

م. نفسه، ص. ن.

م. نفسه، ص. ن. ويقول حليفي أيضا:"فالبداية هي عتبة أولى -بعد العنوان- للتخييل، وبناء إدراك أوّلي تتشكل معه أحاسيس وأفق انتظار منسجم أو معدّل عن الأفق الذي خلقه العنوان أو اسم المؤلف الحقيقي ... هذا الأخير الذي يسم البداية بخلفيته ومواقفه الفكريّة وقناعاته السردية والتقنية."، نفسه، ص 92.

انظر: La poetique de l'incipit, Andrea Del Lungo, Revue poetique N°94, Avril 1993, seuil, p p.130 - 149 . وقد ترجم المقال إلى العربيّة بمجلّة"نوافذ"الصّادرة عن النّادي الأدبي الثّقافي بجدّة، (ع.10 - ديسمبر 1999.) وصدر بعنوان"في إنشائيّة الفواتح النصّية"والترجمة لسعاد بن إدريس نبّيغ.

يقول الراوي في ص 92:"كل البدايات بدلالاتها المتقطّعة هي حطب للحكاية المفتقدة وإلهام للبحث عن الكلام الأول الذي سرقنا من سهونا وحضّنا من الضّجيج" (ص 92)

ورد هذا القول تصديرا للفصل المعنون بـ"الرّواية الأولى"وهو مسند إلى عمر العيار إحدى الشّخصيّات الأربع التي تتناوب على السّرد في الرّواية (ص 7 من الرّواية) .

الرّواية، ص 11.

فنّ الرّواية، ص 16.

يقول الصادق قسومة:"مقومات الجنس الرّوائي ضرب من المبادئ المجرّدة بها تتصوّر الرّواية على نحو عام مرن، وهي ليست ضروريّة للدارس فقط وإنّما هي أيضا نوع من"العقد"يربط منشئ النتاج الروائي ومتقبّله .." (ص 116 من كتابه المذكور) .

ادوارد الخراط: أصوات الحداثة، دار الآداب، بيروت-لبنان، ص 24.

انظر كتابه: الكتابة عبر النّوعيّة- مقالات في ظاهرة"القصة-القصيدة"، دار شرقيّات - القاهرة، 1994.

فتحي النصري: - تشعير الحكاية في القصيدة السردية- سعدي يوسف أنموذجا، حوليات الجامعة التونسية، عدد 44، س 2000

-السردي في الشعر العربي الحديث- في شعرية القصيدة السردية، مسكلياني للنشر والتوزيع، 2006، تونس

وانظر أيضا: زهرة كمون، الشعري في روايات أحلام مستغانمي، صامد - صفاقس 2007.

يقول"مصطفى الخمري"-إحدى شخصيات الرواية-:"ما يوحّدنا هو الشتات والتيه والخيبات" (ص 85 من الرواية) .

كنّا قد أنجزنا بحثا جامعيّا في نطاق شهادة الماجستير بعنوان: الرّواية الواصفة في الرواية العربية المعاصرة من خلال بعض النماذج، ونشرناه في كتاب تحت عنوان: مرايا القصص - بحث في السّرد النّرجسي، دار قرطاج للنشر والتوزيع-صفاقس، 2007.

وهو"كاتب له مجموعة من الدّواوين والمسرحيات والروايات" (ص 81 من الرواية) .

العبارة للروائي والناقد الفرنسي جان ريكاردو (J. Ricardou) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت