مجازفات السّرد ومجازاته
قراءة في رواية (مجازفات البيزنطي) * لشُعيب حَليفي
عبد المجيد بن البحري
أستاذ- باحث من صفاقس/تونس
"العين القارئة تعرف كيف تمشي بالنظريّة،"
وتتعثّر حينما تقوم للمشي أما العين المبصرة
فإنّها قادرة على كلّ شيء." [ص 93 من الرواية] "
يمثّل"التجريب"، في المشهد الرّوائي العربي عموما والمغربي خصوصا - إستراتيجية نصّية لها منطلقاتها النّظريّة ورهاناتها الإبداعيّة، ولها طرائقها الفنيّة وتقنيّاتها الجماليّة، ولئن اختلف النقّاد في تعريفاتهم للتّجريب وقرينه الاصطلاحي - الحداثة-، وتفرقت بهم السّبل في بيان شروطه ومقدّماته، وضبط حدوده ومنطلقاته، ورصد آفاقه وإمكاناته، فإنّ الاتّفاق يكاد يكون قائما على اعتباره (=التجريب) بحثا عن صيغ جديدة في القصّ واستحداثا لأشكال مبتكرة في الحكي ومساءلة لطرائق السّرد الكلاسيكي ذي المنحى الواقعي الوصفي، وخلخلة لقواعده المكرّسة وقوالبه الجاهزة تنظيرا وإنجازا، رؤية وتشكيلا. بل إنّ من النقاد من يذهب -في صيغة استفهام بلاغي- إلى أنّ الرّواية العربيّة بطبيعتها رواية تجريبيّة نشأة وصيرورة، منطلقا ومآلا. يقول"محمد الباردي":"أليست (=الرّواية العربيّة) بطبيعتها رواية تجريبيّة باعتبارها رواية حداثية نشأت منقطعة عن تراثها السّردي ونهضت مواكبة لأشهر تحرّكات التجديد والتجاوز في الرّواية الأوروبية والغربيّة عموما؟"، ويخلص"الباردي"إلى أنّ التّجريب"سعي دؤوب في مسارب جديدة لم تطأها قدم، وهو تجاوز مستمرّ للقاعدة والقانون، وهو مخرج الرّواية العربيّة الجديدة من ترهّلها، ولكنّه في الوقت نفسه يعكس حيرة تعاملها مع واقعها في زمن انهيار الثّوابت". ولا ينأى هذا الرّأي عمّا قرّره"ميلان كونديرا"في كتابه (فنّ الرّواية) حينما ربط بين نشأة الرواية الغربيّة وميلاد الأزمنة الحديثة التي هاجمت الحقيقة الشموليّة بوصفها نقيضا للنسبيّة والشكّ والتّساؤل، وهي الأقانيم الثّلاثة التي تشكّل"روح الرّواية"وجوهرها الأصيل.
ولعلّ القيم الجماليّة المؤسّسة للكتابة الرّوائيّة الحداثيّة غربيّها وعربيّها، مشرقيّها ومغربيّها، لا تكاد تخرج عن هذه الدّعائم أو الأقانيم الثّلاثة، ما دام التّجريب -وهو أفق الإبداع ومحرّكه- فعلا تجاوزيّا، مناوئا لمطلقية الشّكل الرّوائي الجاهز والمكرّس، محمّلا بروح الشكّ والتّساؤل، سالكا دروب المغامرة والمخاطرة، متمرّدا على ما استقرّ من قواعد وما استقام من أصول، لا رهان له سوى البحث والكشف، ولا أفق له إلاّ المجازفة واقتحام المجهول و"مهاجمة المستحيل".
ولا يمكن أن يكون ولوجنا عالم"شعيب حليفي"الرّوائي من خلال روايته الأخيرة < مجازفات البيزنطي> إلاّ من باب التّجريب، ولا نستطيع مقاربة كتابته السّرديّة واقتحام مجاهيلها إلاّ إذا انخرطنا في منطقها الإشكالي وتسلّحنا بروحها المغامرة وجازفنا معه في متاهات القصّ وأحابيل التّخييل. فما هي آليات التّجريب وتجلّياته في < مجازفات البيزنطي>؟ وفيم تتمثّل استراتيجياته الخطابيّة وإجراءاته النصّية؟
إنّ اهتمام"شعيب حليفي"بالعنونة لا يقتصر على ممارسته النصيّة في مجال الكتابة الرّوائيّة، وإنّما تجاوز ذلك إلى التّفكير في"استراتيجيّة العنوان"في مجال التّنظير النّقدي ومقاربة النّصوص الرّوائيّة، ولعلّ هذا الجمع بين الإبداع الرّوائي والإجراء النّقدي أن يكشف عن ميسم بارز من مياسم تجربة"حليفي"الكتابيّة وهو التّجريب الواعي بأصوله النّظريّة وخلفيّاته المرجعيّة، و"الكتابة العالمة" (Ecriture savante) المدركة لسيرورة تشكّلها ومنطق اشتغالها.
إنّ العنوان -على حدّ تعبير كاتبنا نفسه-"شبكة دلاليّة يفتتح بها النصّ ويؤسّس لنقطة الانطلاق الطبيعيّة فيه. والعنوان بوعي من الكاتب، يهدف إلى تبئير انتباه المتلقّي، على اعتبار أنّه تسمية مصاحبة للعمل الأدبي، مؤشّرة عليه".
ويذهب"شعيب حليفي"إلى اعتبار العنوان"ممثّلا لسلطة النصّ وواجهته الإعلاميّة التي تمارس على المتلقي إكراها أدبيّا، كما أنه الجزء الدّال من النصّ الذي يؤشر على معنى ما فضلا عن كونه وسيلة للكشف عن طبيعة النصّ والمساهمة في فكّ غموضه".
وتكمن أهمية العنوان فيما ينهض به من وظائف وما يؤدّيه من أدوار في مستوى البناء النصّي والتّشكيل الجمالي لأنساق الخطاب ودلالاته، فهو"النّواة المتحرّكة التي خاط عليها المؤلّف نسيج النصّ"وهو -للقارئ- مفتاح تأويلي لا غنى عنه لفكّ شفرات النصّ وفكّ مغالقه. فما دلالة العنوان في الرّواية التي نحن منها بسبيل؟ وما هي الوظائف التي ينهض بها؟
إنّ الاستقصاء المعجمي للمادّة اللّفظيّة التي صيغ منها العنوان الرّئيسي في جزئه الأوّل (=المضاف) :"مجازفات"أفضى بنا إلى رصد الدّلالات التّالية:
-"الجَزْفُ: الأخذ بالكثرة. وجزف له في الكيل: أكثر. والجَزْفُ: أخذ الشّيء مجازفة وجزافا (فارسي معرب) . والجِزَافُ والجَزْفُ: المجهول القدْر مكيلا كان أو موزونا."
والجُزاف والجِزاف والجُزافة والجِزافة: بيعك الشيء واشْتِرَاؤُكَهُ بلا وزن ولا كيل وهو يرجع إلى المساهلة.
والمجازفة: الحدس في البيع والشراء [معرّب (كزاف) ]
والمِجْزفة: شبكة يصاد بها السّمك. والجزّاف هو الصّياد.
والجَزُوف من الحوامل: المتجاوزة حدّ ولادتها. وجِزْفَة من النِّعم: قطعة.""
وبهذا يتبيّن أنّ المحاور الدّلاليّة التي تنتظم مادة [ج. ز. ف] في معاجم اللّغة تنعقد على معاني المجهول والكثرة ومجاوزة الحدّ والتقطيع والاصطياد وآلته (الشبكة) والحدس (=وهو الظنّ والتّخمين والتوهّم .. ) ، وهي معان جوامع (Archi-sens) تشكّل نوى إشعاع واستقطاب بقدر ما تستقطب معاني النصّ وتكثّفها وتختزلها، فإنّها تشعّ على النصّ بهالة من الدّلالات ودوائر من المعنى تغري القارئ بالإقبال على الأثر الرّوائي واقتحام عوالمه الممكنة، وتهيّئه لتقبّل النصّ مشكّلة أفق انتظاره وتوقّعاته، أو لم يقل"كونغور":"كلّ عنوان يؤسّس غواية النصّ"؟
ولا ينفصل معنى الغواية عن دلالة"المجازفة"بوصفها مخاطرة ومغامرة وباعتبارها اقتحاما للمجهول ومجاوزة للحدود وانقطاعا عن الوحدة والاكتمال ونزوعا إلى الكثرة والتّقطيع والتجزيء وانصرافا عن الحقيقة المطلقة واليقين المطمئنّ إلى الحدس والظّن والتوهّم. وهذه المعاني جميعها من صميم مفهوم التّجريب الذي ينتظم العمل الرّوائي ويوجّه استراتيجيّاته النصيّة ومقاصده الجماليّة، فتنفتح بذلك دلالة العنوان على أفق الكتابة السّرديّة الرّوائيّة بوصفها مجازفة أي تجريبا، و"شبكة"من العلاقات والدّلالات يصطنعها الكاتب لاصطياد القارئ واقتناص اهتمامه وتوريطه في سيرورة التلقّي والتّأويل.
غير أنّ دلالة العنوان في جزئه الأوّل [=المضاف] لا تكتمل إلاّ بربطه بجزئه الثّاني [=المضاف إليه] وقد ورد معرّفا بالألف واللاّم في صيغة النّسبة إلى مكان وهو"بيزنطة" (البيزنطيّ) فيتكثّف بذلك الغموض والالتباس، وتتعقّد الدّلالة وتتعدّد، ذلك أنّ المرجع الذي عليه ينعقد معنى اللّفظ وتحيل العلامة، مرجع غائم، غامض، يتردّد بين خارج النصّ وداخله بين سياق المقال ومقتضى المقام. فهل بيزنطة هي المكان المرجعي التاريخي أم هل هي مكان نصّي تخييلي يبتنيه الخطاب وتؤسّسه الكلمات؟ ذلك هو الالتباس الذي يشيعه العنوان ويحدثه، و"التلبيس"أو"التلغيز"استراتيجيّة نصّية فاعلة في تشكيل بنيان النصّ وصياغة دلالاته، بل يمكن اعتباره مفتاح اللّغز وكلمة السرّ في رواية < مجازفات البيزنطي> ومشروعها الجمالي القائم على"لعبة المراوغة والإيهام"-بعبارة ش. حليفي نفسه-
غير أنّ"لعبة المراوغة والإيهام"هذه لا تقف فاعليّتها التخييليّة عند حدود العنوان العام الواقع على الغلاف الخارجي للأثر وإنّما تمتدّ لتشمل العنوان الفرعي (le sous-titre) الذي يصاحب العنوان الرّئيسي ويلازمه [روايات قصيرة جدّا] ، وقد اضطلع هذا العنوان الفرعي الذي غاب عن الغلاف وظهر في الصّفحة الثّالثة، بوظيفة"تجنيسيّة"تتمثّل في تحديد الهويّة الأجناسيّة للأثر وضبط النّوع الأدبي الذي في إطاره تتحدّد مواثيق القراءة وبروتوكولات التلقّي ويفتح أفق انتظار القارئ ويهيئ مراسم تقبّله للنصّ.
والنّاظر في العنوان الفرعي يفاجأ دونما شكّ بما يعقده هذا العنوان من علاقة تغاير وتباين بينه وبين المؤشّر الأجناسي (l'indication generique) الواقع في الغلاف الخارجي وهو كلمة (رواية) . فهل نحن إزاء (رواية) واحدة فيها من عناصر الانسجام (coherence) وقواعد الاتّساق (cohesion) ما يجعلها نصّا متكاملا متضافرة مكوّناته ومقوّماته؟ أم هل نحن قبالة روايات أربع"قصيرة جدّا"على نحو ما أشار إليه المؤلّف، لا يجمع بينها سوى التجاور النصّي بين دفّتي كتاب واحد؟ هل يردّ هذا التّباين إلى مقصديّة المؤلّف وانتهاجه استراتيجيّة التلبيس والتغميض وإرباك القارئ وتحييره؟ أم هل يعود ذلك إلى تنازع صوتين وإرادتين هما صوت النّاشر الذي صمّم الغلاف وهيّأه للنّشر، وصوت المؤلّف الذي كتب النصّ وهيّأه للقراءة؟ لاشكّ أنّ هذه الأسئلة -وغيرها- إن هي إلاّ"شبكة"ينصبها المؤلّف للإيقاع بالقارئ وإغوائه ولمراوغته وإغرائه، وتزداد هذه الشّبكة إحكاما واللّعبة إتقانا حينما يلج القارئ دهاليز الأثر وأقبيته الدّاخليّة فيفاجئه تضخّم الجهاز العنواني الدّاخلي وتورّمه، وتصدمه كثرة العناوين وتعدّدها وتنوّعها طولا وقصرا، إبانة وإغماضا، إبلاغا وبلاغة. وفيما يلي جدول للعناوين الدّاخليّة وقد بلغ عددها 61 عنوانا موزّعا على 112 صفحة أيّ بمعدّل عنوان لأقلّ من صفحتين:
العناوين الداخلية
مفاتيح
(ص 5)
الرواية الأولى (ص 7)
*ثلاثة أخبار في سيرة عمر العيار (ص 9)
*حكاية بالأبيض والأسود (ص 11)
*طقس آخر: - الفصل الأول (ص 19)
…- الفصل الثاني (ص 20)
…- الفصل الثالث (ص 21)
…- الفصل الرابع (ص 23)
الرواية الثانية… (ص 25)
*سيرة تمهيدية للعيساوي (ص 27)
*العيساوي (ص 29)
*الحجر المنسي: (ص 37) - المشهد الأخير (ص 37)
…- صورة بدون إطار (ص 39)
…- المشهد البائد (ص 42)
*جمرات اللسان: (ص 47) - السيدة تقول كلامها (ص 48)
…- العيساوي يقول كلامه (ص 49)
…- عمر العيار (ص 50)
…- إشاعات (ص 52)
*سيرة ذاتية (ص 53) - يوم الممات خير من يوم الولادة (ص 53)
…- يوم مر وأيام أمر (ص 54)
…- محنة المشاق في اختراق الآفاق إلى أحد الأسواق (ص 56)
…- لا حميدة لا فلوس (ص 57)
…- في كل محنة منحة (ص 59)
…- حينما صرت وزيرا (ص 62)
…- هيئة الإنصاف (ص 64)
الرواية الثالثة… (ص 65)
*أحمد العباوي (ص 67)
*ملفات أحمد العباوي: (ص 69) - ذخيرة المساء (ص 69)
…- ليل محتمل، نهار سوريالي (ص 70)
…- بطولة منسية (ص 71)
…- آخر العباد (ص 72)
…- التقرير (ص 75)
الرواية الرابعة… (ص 79)
*خمسة أخبار حول مصطفى الخمري (ص 81)
*البحث عن الحكاية: (ص 83) - ضوء السهو (ص 84)
…- من قبل هذا الوقت (ص 84)
…- بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ (ص 85)
…- البداية الأولى للحكاية (مقتطف من رسالة غير مؤرخة) (ص 85)
…- رؤى فارغة (ص 87)
…- رؤى عامرة (ص 88)
…- من زمن العيساوي (ص 89)
…- ملاحظات نهائية (ص 92)
*حالات الكاتب مصطفى: (ص 93) - جمل مخبأة بعناية (ص 93)
…- أبخرة الكيف (ص 96) *استطراد لا بد منه (ص 96)
…- عين الإبرة (ص 97) *تحليل لا تأويل (ص 98)
…- نص المحضر (ص 100)
…- حبس (ص 101)
…- شعاعات (ص 102)
…- حكاية للتوضيح (ص 103)
*الرواية الأخيرة (ص 105) : [هذا الجزء مقسم إلى فقرات مرقمة من 1 إلى 6]
…- الكلمة لي (سعيد الطالبي يأخذ الكلمة) (ص 108) : [مقسم إلى فقرات مرقمة من 5 إلى 1]