الصفحة 8 من 18

جمالية التلقي

الهاشم أسمهر

جب التوكيد بدءا أن جمالية التلقي لا تقدم نفسها -ولا ينبغي لها ذلك- باعتبارها قد اكتشفت -على غرار ''حقل لا مالك له'' في مجال الدراسات الأدبية وفي الظاهرة الأدبية بوجه عام؛ فالتلقي باعتباره ظاهرة تواصلية في المقام الأول، كان موضوع تأمل- وإن اختلفت درجته وطبيعته- منذ أرسطو وحتى تأسيس صرح جمالية التلقي في ألمانيا الإتحادية أواخر الستينات من خلال نظريات سيميوطيقا التلقي ونقد استجابة القارئ وسوسيولوجيا القراءة. إن جمالية التلقي يمكن أن تعتبر نفسها -وهي محقة في ذلك- وأن نعتبرها كذلك إبدالا جديدا وصيغة جادة في طروحاتها مما يجوز معه القول إنها تشكل ''تحديا'' للدراسات الأدبية وصيغة جادة في طروحاتها، مما يجوز معه القول إنها تشكل ''تحديا'' للدراسات الأدبية ومناهج البحث المعاصرة بإعادتها النظر في الكثير من المسلمات التقليدية عن الأدب والقراءة. ومن ميزات وحسنات هذه النظرية أنها تعيد النظر كذلك في خطابها باستمرار، مما يجعلها منفتحة على إمكانيات التجدد وذلك باستفادتها من جبهات النقاش التي فتحها المنظرون والنقاد الذين تناولوها بالتمحيص والمساءلة. ونبدأ بممثل النقد السوسيولوجي بيير زيما، الذي يعتقد أن ياوس >بإقصائه سيرورة الإنتاج (أصل البنية النصية) من مجال بحثه، فإنه لم يوفق في تفسير التلقي والقراءةإن الموضوع الجمالي لم يكن أبدا مستقلا عن لقوانين والقيم الملازمة للعلامة المادية. إن البنيات النصية التي تتفاعل معها عملية] القراءة (الفردية والجماعية) بدورها ليست منفصلة عن سياق الإنتاج، ومن المستحيل تفسيرها دون الأخذ بعين الإعتبار الوضعية السوسيولسانية التي تولدت عنهاإنه حتى وإن اعتبرنا الإنتاج عاملا مهيمنا في السيرورة الإجتماعية، فإننا لن نتمكن من معرفة الدور الذي يلعبه العمل الفني في هذه السيرورة إلا بدراسة عملية] تلقيه. هذه المعرفة إذن ستطال المواضيع الحقيقية والاتجاهات الاجتماعية للتطور وليس مجرد ( ... ) تجريدات لا طائل من ورائها إذا كان الجمهور الأدبي] حقا متغايرا، وإذا كانت السنن الجمالية محددة بالمصالح الإجتماعية فلا نرى لماذا أن المعايير الجمالية للكاتب -المعايير الجمالية التي ينقاد لها الإنتاج- تنفلت من هذا التحديد لأن الكاتب لا ينتج إلا بوصفه قارئا للنصوص الأدبية وغير الأدبية، وإنتاجه سيرورة خارج نصية أي] سوسيولسانيةتتجاهل ما يأمل النص تحقيقه بقراءته الخاصة، أي ما يمكن تسميته مع ميشال شارل ''بلاغة'' التلقيإن النظرية الإيزرية لكونها مشوقة ومنتجة، ولكونها أيضا استعارت الكثير من المفاهيم من آفاق مختلفة، لا تعيش بدون مشاكلتتأسس نظرية التلقي الإيزرية]، في الواقع، على إيديولوجية إنسانية ليبرالية تتلخص في أننا ينبغي أن نكون، أثناء القراءة، مرنين ومتفتحين ومستعدين لوضع قناعاتنا موضع سؤال وأن نسمح لها بالتغيرنوع القارئ الذي سيؤثر فيه الأدب تأثيرا عميقا هو ذاك المزود سلفا بالاستجابات والقدرات ''الصائبة''، الحاذق في إنجاز بعض التقنيات النقدية والتعرف على بعض التقاليد الأدبية؛ غير أن هذا القارئ بالذات هو الغني عن التأثير، ذلك أن مثل هذا القارئ ''مغير'' منذ البداية، وهو مستعد لمزيد من التغير بسبب هذا الواقع بالذات، ويجب عليك كي تقرأ الأدب ''فعليا'' أن تنجز مهارات معينة، مهارات محددة تحديدا إشكاليا. إلا أن ''الأدب'' لا يستطيع أن يضع هذه المهارات بالذات موضع سؤال لأن وجوده متعلق بوجودها قارئا ذا التزامات إيديولوجية قوية يحتمل أن يكون قارئا غير كفء لما كان تفتحه على القوة التحويلية للأعمال الأدبية أقل ورودا< (12) والآن لم يعد مجال للشك أن إيزر يجعل وظيفة الأدب، تحوي قناعات القراء ''الأكفاء'' أي القراء الذين يجعلون من الأدب حقل انكشافهم وتبني أنماط وعي جديدة. الحديث عن القارئ الإيزري يقود إلى القول إنه من الصعب أن نقتنع بفكرة ومفهوم القارئ الضعيف على الصيغة المقترح بها. فإذا كان كل عمل يتوجه -حقا- إلى قارئه الضمني، أي إلى قارئ يستحضر ثقافته وميولاته وتطلعاته، فإن القول بعد هذا إن دور هذا القارئ يمكن أن يشغله أي قارئ واقعي أمر يفقد جدارته لسبب بسيط هو أن القارئ يأتي النص متسائلا كاشفا كل مرة عن حمولاته الخاص، وإلا كيف سنفسر تضارب القراءات والتمثلات؟ هذا الأمر هو الذي استفز بيير زيما، وحدا به (ونكاد نتخيله يقود حركة احتجاج!) إلى أن يكتب عبارة لا ضير لو تم اعتبارها لافتة أو شعارا: >لا يمكن أن يتطابق النص الأدبي مع أي من تأويلاتهفسيكون التواصل زائدا تماما، ولأن المرء لا يبلغ إلا ذلك الشيء الذي لم يسبق أن تقاسمه المرسل والمتلقي< (14) . ومع كل هذا، فإن مفهوم القارئ الضمني يتيح فرصة وإمكانية البحث من خلال ثنايا النص وخطابه (خصوصا النقدي) عن ملامح وسمات قارئ ''مضمن''، ليس باعتباره ''بنية نصية'' بل باعتباره فردا أو جماعة أو مؤسسة ماديين أو معنويين يتوجه إليهم الكاتب ويتم استحضارهم باستمرار. إنه قارئ يكاد الكاتب يرسم بدقة أسسه المعرفية ورهاناته الثقافية وجهازه القرائي وأفق انتظاره الخاص. وهكذا من الممكن -كما يلحظ ذلك إلرود إبش- أن نترجم تحليل السيرورات المتصلة بالقارئ الضمني] إلى فرضيات قابلة لتأكد تجريبيا، خصوصا أن إيزر لا يعارض قيمة البحث التجريبي التلقي الأدبينظريات القراءةالظاهراتية والهيرمينوطيقا ونظرية التلقي< ترجمة محمد الخطابي، مجلة ''علامات''، مكناس العدد 3، 1995 ص 29

11 -المرجع نفسه، ص: 30

12 -أورده تييري إجلتون، المرجع نفسه، ص 29

14 -فولفانغ إيزر: ''فعل القراءة'' ترجمة حميد الحمداني والجلالي الكدية، فاس، مكتبة المناهل، 1995 ص 22

15 -إلرود إبش، مرجع سابق، ص 15

16 -ف. شويرويجن، مرحع سابق، ص 79 - 80

علامات عدد: 17 /

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت