الشيخ: وهل أقبلوا عليك كما يقبلون على فلان ؟ فنقول إن التعليم النافع يروج كما
يروج غيره مثلًا ؟ ! قلت له: لا ، ولكن السبب في زيادة إقبالهم على فلان ليس هو
تفضيل تعليمه ، ولكنهم اعتادوه بطول الزمن مع موافقته لرغائبهم كما قلتم ، وأنا أرجو
أن يرجحوا جانب الحقيقة الذي فيه مصلحتهم على جانب التمويه الذي فيه لذّتهم إذا
وجد من يُمَيِّزُ ذلك لهم .
هذا ما دار بيننا من المحاورة والتَّجْرِبَة تشهد لما قلته آنًا بعد آن ، وإليك هذه
الواقعة التي حدثت في هذه الأيام .
قام أحد الشيوخ في هذه الأيام يرغِّب الناس في الحج في مديرية الشرقية
ويحثهم على أدائه في هذا العام فجوَّل في مديرية الشرقية بهذا الوعظ ، فأثّر في نفوس
الناس حتى استسهلوا المصاعب واستخفّوا بالنوائب وارتكبوا معصية الربا الفاحش
فاستدانوا ورهنوا أملاكهم للدائنين ثم استأجروا منهم الفدان الواحد بأربعة جنيهات ؛
فكان مجموع الفضل الذي أُخذ منهم عشرين في المائة وهو ربا لا يصح في شرع
ولا قانون ، ارتكبوا هذه الكبيرة عالمين بأن في بعض البلاد الحجازية وباءً يُخشى
أن يعلق بهم مكروبه وتلحق بهم كروبه ومستيقنين أن النفقات في هذا العام تكون
مضاعفة ، كما أن أثقال السفر ومشقاته مضاعفة ، وربما كان بعضهم يعتقد أن زيادة
الأجور والنفقات عن قدر الاعتدال تُسقِط الوجوبَ عن المستطيع .
لماذا حمل هؤلاء هذه الأوزار والأثقال وأقدموا على هذه الأعمال ؟ ! أليس
إجابةً لداعي الوعظ الذي حملهم عليه العالم باسم الدين ؟ ! بلى ، قد امتثلوا أمر
الواعظ ولم يلتفتوا إلى قول الشاعر:
إذا حججت بمال أصله دنس فما حججت ولكن حجت العيرُ
لا يقبل الله إلا كل طيبة ما كل مَن حج بيت الله مبرورُ
فإذا كان قول العلماء يقبل بمثل هذا ، وتنتهي طاعتهم إلى هذا الحد ؛ فماذا يكون
من أمرهم إذا أنشأوا يبيّنون للناس طرق سعادتهم في دينهم ودنياهم من الوجوه التي