الصفحة 102 من 374

فلان قد كفر، طاب، يحبس على الردة بمجرد الدعوى، ويقوي شوكته على

أهل التقوى، قد ذلل الفقهاء والأخيار، وجرأ عليهم السفهاء والأغيار:

يحبس في الردة من ... شاء بغير شاهد

لا كان من قاضٍ حكى الـ ... ـفقاع جد بادر

أراح الله من تعرضه، وصان عراض الأعراض من تعرضه، يقصد

بذلك أهل الدين، والقراء المجودين:

جرحت الأبرياء فأنت قاضٍ ... على الأعراض بالأغراض ضاري

ألم تعلم بأن الله عادل ... (ويعلم ما جرحتم بالنهار)

هذا بعض ما جاء في رسالة الإمام ابن الوردي التي هي أشبه بمقامة بديعية،

وكلها حقائق صادقة ناطقة بما كان عليه تعصب قضاة ذلك الوقت، ولا سيما

المالكية منهم، ولقد كان قضاة المذاهب يحيلون الأمر في التعزير والتأديب إلى

القاضي المالكي لما اشتهر في الفقه المالكي من مضاعفة النكال، وشدة التأديب في

باب التعزير؛ إذ بسط للقاضي يده فيه بسطًا لم يوجد في مذهب غيره، فلذا كان

محبو الانتقام والتشفي يعمدون إلى إحالة القضية إلى القاضي المالكي؛ لما يعلمون

ما وراء قضائه، مما فصل بعضه الإمام ابن الوردي كما قرأت، على أن الأمر في

التعصب لم يقف عند القاضي المالكي وحده لنتعصب ضده، وإنما كان هو الأقوى

تعصبًا والأشد تصلبًا، وإلا فإن مظهر ذاك العصر كان التعصب لجميعهم، فقد حكى

الشيخ الشعراني رحمه الله تعالى في مقدمة طبقاته الكبرى المسماة بلواقح الأنوار ما

مثاله: وقد أخبرني شيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري بمصر المحروسة أن

شخصًا وقع في عبارة موهمة للتكفير، فأفتى علماء مصر بتكفيره، فلما أرادوا قتله

قال السلطان جقمق: هل بقي أحد من العلماء لم يحضر؟ فقالوا: نعم، الشيخ جلال

الدين المحلي شارح المنهاج، فأرسل وراءه فحضر، فوجد الرجل في

الحديد بين يدي السلطان، فقال الشيخ: ما لهذا؟ قالوا: كفر، فقال: ما مستند من

أفتى بتكفيره، فبادر الشيخ صالح البلقيني من مشاهير الشافعية، وقال: قد أفتى

والدي شيخ الإسلام الشيخ سراج الدين في مثل ذلك بالتكفير، فقال الشيخ جلال

الدين رضي الله عنه: يا ولدي أتريد أن تقتل رجلًا مسلمًا موحدًّا يحب الله ورسوله

بفتوى أبيك؟ حلوا عنه الحديد، فجردوه، وأخذه الشيخ جلال الدين بيده وخرج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت