فهرس الكتاب
رسالة أخلصت فيها النية، وقصدت بها النصيحة للرعاة والرعية، أودعتها
من جوهر فكري كل ثمين، وناديت بها على هزيل ظلم أبناء جنسي مناداة
اللحم السمين، لكن جنبتها فحش القول؛ إذ لست من أهله، وخلدتها في ديوان
الدهر شاهدة على المسيء بفعله، ورجوت بها الثواب، نصرة للمظلوم،
وغيرة على حملة العلوم، وسميتها: (الحرقة للخرقة) فقلت: اعلموا يا ولاة
الأمر، ويا ذوي الكرم الغمر، أبقاكم الله بمصر [4] للأمة، ووفقكم لدفع الإصر
وبراءة الذمة، أن حلب قد نزعت للزبدة، ووقعت من ولاية التاجر الرباحي
في خسر وشدة، قاضٍ سلب الهجوع وسكب الدموع، وأخاف السرب، وكدَّر
الشرب، بجراءته التي طمت وطمت، وعَمايَته التي عمت وغمت، وفتنته
التي بلغت الفراقد، وأسهرت ألف راقد، ووقاحته التي أدهشت الألباب، وأخافت
النطف في الأصلاب، فكم لطخ من زاهد، وكم أسقط من شاهد، وكم رعب
بريًّا، وكم قرب جريًّا، وكم سعى في تكفير سليم، وكم عاقب بعذاب أليم،
وكم قلب ذائب، بنائبة توسط بها عند النائب، فامتنعت الأمراء عن
الشفاعة، وظنوا هم والنائب أن هذا امتثال لأمر الشرع وطاعة:
يا حامل النائب في حكمه ... أن يقتل النفس التي حرمت
غششته والله في دينه ... بشراك بالنار التي أضرمت
(إلى أن قال الزين ابن الوردي) : ثم إنه فسق مفتيًا في الدين، وفضح
خطيبًا على رؤوس المسلمين، ثم قال: يحب إثبات الردة والكفر كحب الدنانير
الصفر.
حاكم يصدر منه ... خلف كل الناس حفر
يتمنى كفر شخص ... والرضا بالكفر كفر
(ثم قال) : إذا وقع عنده عالم فقد وقع بين مخالب الأسود، وأنياب
الأفاعي السود:
أدركوا العلم وصونوا أهله ... من جهول حاد عن تبجيله
إنما يعرف قدر العلم من ... سهرت عيناه في تحصيله
ثم قال: ما أقدره على السفير، وما أسهل عليه التفسيق والتكفير، كم
دعى إلى بابلة فما ارتاح إلى الباب، ونراه حيران لعدم الرقة، فإذا قيل له: