الصفحة 100 من 374

سيقول بعض الناس ممن تغره القشور، ولم تقف مداركه على لباب روح

العصور: إن تلك الدماء المراقة والأرواح المهدرة، لم يحكم عليها إلا

بالبينة والشهود، التي بمثلها تقام الحدود، وهل بعد ذلك من ملام أو جحود؟

يقول ويجهل أو يتجاهل أن التعصب يحمل على الأخذ بالظنة، أو الإيقاع بالشبهة،

وأن المتطوعة بالشهادة قد يحملهم على اختلاقها ظنُّ الأجر بنصرة الدين بقتل

هؤلاء المساكين، لا سيما إذا دُفعوا بتشويق المتصولحين والمتمفقرين [2] ،

والحشوية البكائين، احتيالًا وقنصًا للمغفلين.

ولقد استفيض عن كثير من هؤلاء الضالين المضلين الإغراء بقتل

الداعين إلى الكتاب والسنة، والمجاهدين في الإصلاح العاملين، على أن

قاعدة المحققين هي عدم البتّ في أمر تاريخي إلا بعد تعرفه من أطرافه، ومراجعة

عدة أسفار للوقوف على كنهه وحقيقته، والإشراف على غثه وسمينه، ووزنه

بميزان العقول السليمة، والقواعد الاجتماعية المعقولة، كما أشار إليه الإمام ابن

خلدون في مقدمته.

نحن لم نصِم أعمال أولئك بالظلم والجور والبغي إلا لما فضح نبذًا منها

الإمام زين الدين ابن الوردي الشهير صاحب(البهجة، واللامية، والديوان،

والمقامات)فقد شفى بالحقيقة الأوام، وأوضح عن مكر أولئك بالتمويه

والإيهام في مقالة بديعة أنشأها في القاضي الرباحي المالكي [3] سماها

(الحرقة للخرقة) . ولا بأس بنقل جمل منها تأييدًا لما قلناه، قال رضي الله عنه:

أما بعد، حمدًا لله الذي لا يحمد على المكاره سواه، والصلاة والسلام على

نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي خاف مقام ربه وعصم من اتباع هواه،

وعلى آله وصحبه الذين بذل كل منهم في صون الأمة قواه، وسلمت صدورهم

من فساد النيات، وإنما لكل امرئ ما نواه، فإن نصيحة أولي الأمر تلزم،

والتنبيه على مصالح العباد قبل حلول الفساد أحزم، والمتكلم لله تعالى مأجور،

والظالم ممقوت مهجور، وتحسين الكلام لدفع الضرر عن الإسلام عبادة،

والنثر والنظم للذَّب عن أهل الإسلام من باب الحسنى وزيادة، وجرحة الحاكم

الأعراض بالأغراض صعبة؛ إذ نص الحديث النبوي: أن حرمة المسلم أعظم

من حرمة الكعبة، ومخرق خرقته مذموم، ولحم العلماء مسموم، وهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت