الصفحة 99 من 374

عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا

أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ

الظَّالِمُونَ (الحجرات: 11) ولا تنس ما أسلفنا عن السلف في تفسيرها.

حملة الأعلام المحققين على المتفقهة المكفرين

لما استفحل الرمي بالتكفير والتضليل لخيار العلماء في منتصف قرون الألف

الأولى من الهجرة ضجت عقلاء الفقهاء، وصوبت سهام الردود في وجوه زاعمي

ذلك، حتى قالت الحنفية - عليهم الرحمة - ما معناه:(لو أمكن أن يُكفَّر المرء في

أمر من تسعة وتسعين وجها، ومن وجه واحد لا يكفر؛ يُرجَّح عدم التكفير على

التكفير لخطره في الدين).

ولم يشتد الرمي بالتكفير والإرهاق لأجله والإرجاف به في عصر من

العصور مثل القرن الثامن للهجرة، ومن سبَر تاريخ الحافظ ابن حجر المسمى

(بالدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة) أخذه من ذلك المقيم المقعد؛ إذ يرى

أن العالم الجليل الذي هو زينة عصره وتاج دهره، كان لا يأمن على نفسه

من الإفك عليه والسعاية به فيما يكفره ويحل دمه، حتى صار يخشى

على نفسه من أخذت منه السن، وأقعده الهرم، وأفلجته الشيخوخة، ولا من

راحم أو منصف - كما تقرأ ذلك في ترجمة علاء الدين العطار تلميذ الإمام

النووي، وأنه مع زمانته، وكونه صار حِلْس بيته، يتأبط دائمًا وثيقة أحد

القضاة بصحة إيمانه وبراءته من كل ما يكفره، ولقد أريقت دماء محرمة،

وعذبت أبرياء بالسجون والنفي والإهانات باسم الدين، وروعت شيوخ وشبان

أعوامًا وسنين، حتى عج لسان حالها وقالها بالدعاء إلى فاطر الأرض

والسموات، بكشف هذه الغمم والظلمات، ولم يزل سبحانه يملي لها

ويستدرجها في غيها، ولم تحسب للأيام ما خبئ لها في طيها، إلى أن امتلأ

إناؤها، وحان حصدها وإفناؤها، فأخذها الله وهي ظالمة جائرة، ودارت

على دولتها الدائرة، ومحق الله بفضله تلك الدولة المجنونة الجاهلة، وأورثها

للدولة الصالحة العاقلة، فأمَّنت الناس على أنفسها ودمائها، وذهبت عصبة الجمود

بزبدها وغثائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت