فهرس الكتاب
ذكرنا في الجزء الماضي أربعة أسباب للكذب على الرسول صلى الله عليه
وسلم وهي أهم ما ذكره الحفاظ والمحدثون جزاهم الله أفضل الجزاء وبقي أسباب
نذكرها على ترتيب ما قبلها وهي:
(خامسها) : الخطأ والسهو وقع هذا لقوم , ومنهم من ظهر له الصواب ولم
يرجع إليه أنفة واستنكافًا أن ينسب إليهم الغلط , ولم تعرف رقة دين هؤلاء وعدم
إخلاصهم في الاشتغال برواية الحديث إلا بعد ما وقع لهم ما وقع.
(سادسها) : التحديث عن الحفظ ممن كانت له كتب يعتمد عليها فلم يتقن
الحفظ فضاعت الكتب فوقع في الغلط.
(سابعها) : اختلاط العقل في أواخر العمر , وقع هذا لجماعة من الثقات
فكانوا معذورين دون من سلم بكل ما نسب إليهم من غير تمييز بين ما روي عنهم
في طور الكمال والعقل وبين ما روي في طور الاختلاط والهرم.
(ثامنها) : الظهور على الخصم في المناظرة لا سيما إذا كانت في الملأ ,
وهو غير الوضع لنصرة المذاهب الذي تقدم قال ابن الجوزي: (ومن أسباب
الوضع ما يقع ممن لا دين له عند المناظرة في المجامع من الاستدلال على ما يقوله
كما يطابق هواه تنفيقًا لجداله. وتقويمًا لمقاله. واستطالة على خصمه , ومحبة
للغلب , وطلبًا للرياسة , وفرارًا من الفضيحة إذا ظهر عليه من يناظره.
(تاسعها) : إرضاء الناس وابتغاء القبول عندهم واستمالتهم لحضور
مجالسهم الوعظية وتوسيع دائرة حلقاتهم , وقد ألصق المحدثون هذا السبب
بالقصاص وقالوا: إن في الأحاديث الصحاح والحسان مثل ذلك , ولكن الحفظ شق
على أولئك القصاص فاختاروا أقرب الموارد وهو الوضع. ونقول: إن قصاص
هذا الزمان قد اتبعوا خطوات أولئك الوضاع وحفظوا أكاذيبهم لسوء الاختيار فقلما
نرى واعظًا يحفظ الصحاح , وتراهم يكادون يحيطون بالموضوعات التي لا يكاد
يوجد بمعناها حديث صحيح السند لأن معظمها خرافات وأوهام وتجرؤ على
المعاصي بالأماني والتشهي. ولعل ابن الجوزي ما تصدى لتأليف كتابه في
الموضوعات إلا بعدما زاول الوعظ واختبر ما أفسد الوعاظ من دين الناس وقد ذكر
عن نفسه أن الأحاديث الموضوعة كانت ترد عليه في مجلس وعظه فيردها فيحقد
عليه سائر القصاص.