فهرس الكتاب
هذا ما ذكره المحدثون لم نستنبط منه شيئًا من عندنا لأنهم رحمهم الله ما تركوا
مقالًا لقائل، ومنه يعلم أن ضبط كل ما وضع من الحديث متعذر، وأنه يجب
الاحتياط التام في قبول أي حديث وجد في كتاب أو سمع من رجل حتى يعلم أن
الحفاظ اتفقوا على صحة روايته، فإذا طعن في أحد رجال سنده واحد منهم فالعمل
حينئذ بما قالوه من تقديم الجرح على التعديل بشرطه. ويبقى بعد ذلك البحث في
الحديث دراية فإن خالف شيئًا وجوديًّا في الطبيعة أو أصلًا من أصول الشريعة
الثابتة بالكتاب العزيز أو السنة القطعية أو عمل المسلمين في العصر الأول من
الصحابة والتابعين فهو مردود.
والحاصل أن الثابت من الدين نقلًا بطريق القطع هو القرآن والأحاديث
المتواترة وقليل ما هي وما كان عليه أهل العصر الأول من العمل الذي يتعلق
بالعبادة إذ العبادات وأساسها من العقائد وتهذيب الأرواح هو الذي كمل على عهد
النبي صلى الله عليه وسلم جملة وتفصيلًا. وأما المعاملات والأمور القضائية فقد
جاءت الشريعة بأصولها العامة وقواعدها الكلية والجزئيات تجري على ما قال أحد
الأئمة: تحدث للناس أقضية ... إلخ فتأمل هذا ينفعك والله الموفق.
واجب الصحافة ومفاسد الانتحال
تكرر منا الانتقاد على الجرائد التي تنقل كلام غيرها ولا تعزوه إلى صاحبه،
وقد يكون هذا من البعض عن عمد فيكون سرقة شرًّا من سرقة الأموال والعروض
لأن في سرقة دينار من رجل ذنبًا واحدًا، وفي سرقة الكلام عدة ذنوب أحدها:
التعدي على حقوق الناس وانتحالها لنفسه، وهو المراد بتسميتها سرقة، وثانيها:
الخيانة في العلم وهو لا ينجح إلا بالأمانة , وهي نسبة كل قول إلى قائله وكل رأي
إلى صاحبه , وثالثها: الكذب وهو ظاهر , ورابعها: التبجح والافتخار بالباطل ,
وقد ورد في الحديث الصحيح: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) , خامسها:
الغش فإن من الناس من إذا علم أن هذا القول لفلان يأخذ به ويقلده لأن التقليد
مبني على الثقة , فإذا نسب القول إلى غير صاحبه يتركه من لو علم صاحبه لأخذ
به وانتفع لثقته به دون من نسب إليه , ويأخذ به من يثق بالمنتحل على أنه له وما
هو له. سادسها: الجناية على التاريخ الذي يبين مراتب الناس وأقدارهم في العلم.