الصفحة 50 من 374

نعم إنه نقل عن بعضهم شيء من النطق بالإلهام الصادق، كإخبار الصديق عما

في بطن امرأته من الولد، ومعرفة عثمان ما كان من ذلك الرجل الذي نظر إلى المرأة

بشهوة. ولكنهم لم يسموا هذه الإلهامات النادرة كشفا، ولا عدوها طريقًا لمعرفة

الأحكام، وقد سمى عثمان ما اتفق له مع الرجل فراسة. ولكن بعض العلماء أطلق

على ما كان منهم لفظ الكشف، وكانت تعرض لهم المشكلات الشرعية في الأحكام،

فيتذاكرون ويتشاورون فيها، ولا يعتمدون في تقريرها على شيء بعد الكتاب والسنة

إلا على الرأي في استبانة المصلحة وتحري العدل. ولم يدع أحد منهم بعد موت النبي

صلى الله عليه وسلم: أنه رآه بالكشف أو في النوم، فأخبره بأن الحق كذا أو الحكم

كذا.

وإذا قلنا بأن من خواص نفوس البشر أن تدرك بعض الأمور من غير

طريق الحس والعقل نادرا، وأن بعض الناس قد يكون استعداده لذلك قويًّا، وأن من

كان استعداده له ضعيفًا، تيسر له تقويته بضروب من الرياضة، كما ينقل نَقْلًا

مستفيضًا عن البراهمة والصوفية فإن هذا كله لا علاقة له بالدين، وإنما هو من قبيل

سائر خواص المخلوقات التي منها ما هو طريق للعلم، كالخواص التي بني عليها

صنع الآلات التي يعرف بها ما سيحدث من الأنواء والزلازل قبل حدوثه. ولا شيء

من ذلك يعد من الدين، ولم يصل الكشف إلى أن يكون طريقًا منضبطًا للعلم، بحيث

يعرف كل من كان من أهله، ما يعرفه الآخرون، إذا هو طلب معرفته بأن تتفق

معارفهم من غير أن يأخذ بعضهم عن بعض.

ثم إن الصوفية الذين يعدون الكشف من ثمرات طريقتهم، لا يقول أهل

الصدق والعرفان منهم: إن الكشف دليل شرعي، بل يعدون من شروط الاعتداد

بصحته موافقته للشرع. قال محيي الدين في فتوحاته:

كل كشف شهد الشرع له ... فهو علم فيه فلتعتصم

وقالوا: إن الكشف إذا جاء بخلاف ما علم من الشرع فهو باطل، ويعدونه

من وحي الشياطين، ولهم في ذلك حكايات غريبة، ولم أر من علماء الأصول من

بالغ في التسليم بما نقل من الإلهام والكشف، حتى ما علم عند المحدثين أنه لم يصح

مثل أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي صاحب الموافقات، فإنه عد من الأصول كون

المزايا والمناقب عامة، كعموم الأحكام والتكاليف بين النبي صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت