الصفحة 52 من 374

يكون ألحن بحجته من بعض، فأحكم له، على نحو ما أسمعه منه)، الحديث، فقيد

الحكم بمقتضى ما يسمع، وترك ما وراء ذلك، وقد كان كثير من الأحكام التي تجري

على يديه يطلع على أصلها وما فيها من حق وباطل. ولكنه - عليه السلام - لم يحكم

إلا على وفق ما سمع، لا على وفق ما علم، وهو أصل في منع الحاكم أن يحكم

بعلمه وقد ذهب مالك في القول المشهورعنه، أن الحاكم إذا شهدت عنده العدول بأمر

يعلم خلافه، وجب عليه الحكم بشهادتهم إذا لم يعلم منهم تعمد الكذب؛ لأنه إذا لم يحكم

بشهادتهم كان حاكمًا بعلمه، هذا مع كون علم الحاكم مستفادًا من العادات التي لا ريبة

فيها، لا من الخوارق التي تداخلها أمور، والقائل بصحة حكم الحاكم بعلمه فذلك

بالنسبة إلى العلم المستفاد من العادات لا من الخوارق ولذلك لم يعتبره رسول الله

-صلى الله عليه وسلم - وهو الحجة العظمى، وحكى ابن العربي عن قاضي القضاة

الشاشي المالكي ببغداد أنه كان يحكم بالفراسة في الأحكام جريًا على طريقة إياس ابن

معاوية أيام كان قاضيًا، قال: ولشيخنا فخر الإسلام أبي بكر الشاشي جزء في الرد

عليه، هذا ما قال وهو حقيق بالرد إن كان يحكم بالفراسة مطلقًا من غير حجة

سواها.

فإن قيل: هذا مشكل من وجهين: أحدهما أنه خلاف ما نقل عن أرباب

المكاشفات والكرامات، فقد امتنع أقوام عن تناول أشياء، كان جائزًا لهم في الظاهر

تناولها اعتمادًا على كشف أو إخبار غير معهود، ألا ترى إلى ما جاء عن الشبلي

حين اعتقد أن لا يأكل إلا من الحلال، فرأى بالبادية شجرة تين فَهَمَّ أن يأكل منها،

فنادته الشجرة: لا تأكل مني فإني ليهودي، وعن عباس بن المهتدي أنه تزوج امرأة

قليلة الدخول، وقع عليه ندامة، فلما أراد الدنو منها زجر عنها، فامتنع وخرج فبعد

ثلاثة أيام ظهر لها زوج، وكذلك من كان له علامة عادية أو غير عادية يعلم بها،

هل هذا المتناول حلال أم لا؟ كالحارث المحاسبي حيث كان له عرق في بعض

أصابعه، إذا مد يده إلى ما فيه شبهة تحرك، فيمتنع منه، وأصل ذلك حديث أبي

هريرة - رضي الله عنه - وغيره في قصة الشاة المسمومة، وفيه فأكل رسول الله

-صلى الله عليه وسلم - وأكل القوم، وقال: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها

مسمومة ومات بشر بن البراء. الحديث، فبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على

ذلك القول، وانتهى هو، ونهى أصحابه عن الأكل بعد الإخبار، وهذا أيضًا موافق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت