فهرس الكتاب
لشرع من قبلنا، وهو شرع لنا إلا أن يرد ناسخ، وذلك في قصة بني إسرائيل، إذ
أمروا بذبحها وضرب القتيل ببعضها فأحياه الله وأخبر بقاتله، فرتب عليه
الحكم بالقصاص. وفي قصة الخضر في خرق السفينة وقتل الغلام، وهو ظاهر في
هذا المعنى إلى غير ذلك، مما يؤثر في معجزات الأنبياء - عليهم السلام -،
وكرامات الأولياء رضي الله عنهم.
والثاني: أنه إذا ثبت أن خوارق العادات بالنسبة إلى الأنبياء والأولياء،
كالعادات بالنسبة إلينا، فكما لو دلنا أمر عادي إلى نجاسة الماء أو غصبه لوجب
علينا الاجتناب فكذلك هاهنا؛ إذ لا فرق بين إخبار من عالم الغيب، أو من عالم
الشهادة، كما أنه لا فرق بين رؤية البصر لوقوع النجاسة في الماء ورؤيتها بعين
الكشف الغيبي، فلا بد أن يبنى الحكم على هذا، كما يبنى على ذلك، ومن فرق
بينهما فقد أبعد.
فالجواب أن لا نزاع بيننا في أنه قد يكون العمل على وفق ما ذكر صوابًا
وعملًا بما هو مشروع على الجملة، وذلك من وجهين:
(أحدهما) الاعتبار بما كان من النبي صلى الله عليه وسلم فيه، فيلحق به
في القياس ما كان في معناه، إذ لم يثبت أن مثل هذا من الخوارق مختص بالنبي
صلى الله عليه وسلم، حيث كان من الأمور الخارقة بدليل الواقع، وإنما يختص به
من حيث كان معجزًا، وتكون قصة الخضر على هذا مما نسخ في شريعتنا على أن
خرق السفينة، قد عمل بمقتضاه بعض العلماء بناءً على ما ثبت عنده من العادات.
أما قتل الغلام فلا يمكن القول به. وكذلك قصة البقرة منسوخة على أحد التأويلين،
ومحكمة على التأويل الآخر على وفق القول المذهبي في قول المقتول: دمي عند
فلان.
(والثاني) على فرض أنه لا قياس وهو خلاف مقتضى القاعدة الأولى إذ
الجاري عليها العمل في القياس. ولكن إن قدرنا عدمه، فنقول: إن هذه الحكايات
عن الأولياء مستندة إلى نص شرعي، وهو طلب اجتناب حزاز القلوب الذي هو
الإثم، وحزاز القلوب يكون بأمور لا تنحصر، فيدخل فيها هذا النمط، وقد قال
عليه السلام: (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في صدرك) فإذا لم
يخرج هذا عن كونه مستندًا إلى نصوص شرعية عند من فسر حزاز القلوب