الصفحة 54 من 374

بالمعنى الأعم الذي لا ينضبط إلى أمر معلوم.

ولكن ليس في اعتبار مثل هذه الأمور ما يخل بقاعدة شرعية، وكلامنا إنما

هو في مثل مسألة ابن رشد وأشباهها، وقتل الخضر الغلام على هذا لا يمكن القول

بمثله في شريعتنا ألبتة، فهو حكم منسوخ، ووجه ما تقرر أنه إن كان ثم من

الحكايات ما يشعر بمقتضى السؤال، فعمدة الشريعة تدل على خلافه، فإن أصل

الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير

عمومًا أيضًا، فإن سيد البشر - صلى الله عليه وسلم - مع إعلامه بالوحي، يجري

الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك

بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه.

(ولا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال خوفًا أن يقول الناس: إن محمدًا

يقتل أصحابه، فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به، فلا حرج لأنا

نقول هذا من أدل الدليل على ما تقرر؛ لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ

ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح

ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر، بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر

وران على الظواهر وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملةً، ألا ترى إلى باب

الدعاوى المستند إلى أن البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر، ولم يستثن من

ذلك أحد، حتى إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم - احتاج إلى البينة في بعض ما

أنكر فيه، مما كان اشتراه فقال: (من يشهد لي) حتى شهد له خزيمة بن ثابت،

فجعلها الله شهادتين فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكبر الناس على أصلح الناس،

لكانت البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهذا من ذلك والنمط واحد،

فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية، ومن هنا لم يعبأ

الناس من الأولياء وغيرهم بكل كشف أو خطاب خالف المشروع، بل عدوا أنه من

الشيطان، وإذا ثبت هذا فقضايا الأحوال المنقولة عن الأولياء محتملة، وما ذكر من

تكليم الشجرة فليس بمانع شرعي، بحيث يكون تناول التين منها حرامًا على المكلم

كما لو وجد في الفلاة صيدًا فقال له: إني مملوك وما أشبه ذلك.

لكنه تركه لغناه عنه لغيره من يقين الله أو ظن طعام بموضع آخر أو غير ذلك،

وكذلك سائر ما في هذا الباب، أو نقول: كان المتناول مباحًا له فتركه لهذه العلامة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت