فهرس الكتاب
كما يترك الإنسان أحد الجائزين لمشورة أو رؤيا، وغير ذلك حسبما يذكر بعد بحول
الله تعالى، فكذلك نقول في الماء الذي كوشف: إنه نجس أو مغصوب، وإذا كان له
مندوحة عنها بحيث لا ينخرم له أصل شرعي في الظاهر، بل يصير منتقلًا من جائز
إلى مثله فلا حرج عليه، مع أنه لو فرضنا مخالفته لمقتضى ذلك الكشف؛ إعمالًا
للظاهر واعتمادًا على الشرع في معاملته به فلا حرج عليه ولا لوم؛ إذ ليس
القصد بالكرامات والخوارق أن تخرق أمرًا شرعيًّا، ولا أن تعود على شيء منه
بالنقض، كيف؟ وهي نتائج عن اتباعه فمحال أن ينتج المشروع ما ليس بمشروع أو
يعود الفرع على أصله بالنقض، هذا لا يكون ألبتة، وتأمل ما جاء في شأن
المتلاعنين، إذ قال عليه السلام: إن جاءت به على صفة كذا فهو لفلان، وإن جاءت
به على صفة كذا فهو لفلان، فجاءت به على إحدى الصفتين وهي المقتضية
للمكروه، ومع ذلك فلم يقم الحد عليها، وقد جاء في الحديث نفسه:(لولا الأيمان
لكان لخولها شأن)؛ فدل على أن الأيمان هي المانعة، وامتناعه مما هم به، يدل
على أن ما تفرس به لا حكم له حين شرعية الأيمان، ولو ثبت بالبينة أو بالإقرار بعد
الأيمان ما قال الزوج: لم تكن الأيمان دارثة للحد عنها.
والجواب عن السؤال الثاني: أنَّ الخوارق وإن صارت لهم كغيرها فليس
ذلك بموجب لإعمالها على الإطلاق؛ إذ لم يثبت ذلك شرعًا معمولًا به، وأيضًا فإن
الخوارق وإن جاءت تقتضي المخالفة فهي مدخولة، قد شابها ما ليس بحق كالرؤيا
غير الموافقة، كمن يقال له: لا تفعل كذا وهو مأمور شرعًا بفعله، أو افعل كذا وهو
منهي عنه، وكثيرًا ما يقع هذا لمن لم يبن أصل سلوكه على الصواب، أو من سلك
وحده بدون شيخ، ومن طالع سير الأولياء وجدهم محافظين على ظواهر الشريعة
غير ملتفتين فيها إلى هذه الأشياء.
(فإن قيل: هذا يقتضي أن لا يعمل عليها، وقد بنيت المسألة على أنها يعمل
عليها؛ قيل: إن المنفي هنا أن يعمل عليها بخرم قاعدة شرعية، فأما العمل عليها
مع الموافقة فليس بمنفي).
أقول: فهي لا تقل عن الهوى الموافق للشرع. ثم ذكر في المسألة الثانية عشرة
ما نصه:
(إن الشريعة كما أنها عامة في جميع المكلفين وجارية على مختلفات أحوالهم