الصفحة 91 من 374

في قوله: الشر من الله، وكذلك في قولك: إن الله يُرى، وفي سائر المسائل، إذ

المبتدع محق عند نفسه، والمحق مبتدع عند المبتدع، وكل يدعي أنه محق وينكر

كونه مبتدعًا اهـ.

وبالجملة فهم مخالفون بنظر غيرهم، وأما عند أنفسهم فغيرهم هو المخالف

وهم الموافقون، وحاشا لمؤمن عالم أن يخالف كتابًا أو سنة عامدًا متعمدًا، فهم

مجتهدون مثابون؛ إذ لم يألوا جهدًا فيما ذهبوا إليه، وإن كنت لا تقول به

وترى الحجة فيما أنت عليه، على أن ما تسميه أنت نصًّا هم يرونه ظاهرًا، إذ

دعوى نصية الشيء ليست بالأمر اليسير، لأن النص هو القاطع في معناه، المفيد

لليقين في فحواه، وهذا إنما يكون في محكمات الدين، وأصوله التي لم يختلف فيها

الفرق كلها، وأما ما عداه فكلها ظواهر، وقد يراها البعض باجتهاده نصًّا، وليس

اجتهاد مجتهد بقاضٍ على اجتهاد آخر.

وعلى من يريد تحقيق هذا أن يراجع مطولات الخلاف، ويطالع مآخذ

المجتهدين، ومن أنفع ما ألف في هذا الباب كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام

لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله فإنه جدير لو كان في الصين أن يرحل

إليه، وأن يعض بالنواجذ عليه، فرحم الله من أقام المعاذير للأئمة، وعلم أن سعيهم

إنما هو إلى الحق والهدى، كما أسلفنا وبالله التوفيق.

جواب شبهة أخرى

يزعم بعضهم بأنه يحتمل أن يكون الراوي تحمل عن المبدّع قبل تمذهبه بذلك

المذهب، وهذا جهل بمذاهب الرواة، ومشارب الرجال، فإن كل من ألَّف في نقد

الرجال لم يذكر في المشاهير منهم أنه كان على مذهب كذا، أو أن الحافظ الفلاني

تحمل عن فلان قبل تمذهبه بمذهب كذا، ومثل هذا إنما يؤخذ عن النقلة الأثبات

كالمصنفين في أحوال الرجال، ولا يمكن الاجتهاد فيه بحال من الأحوال، ولذا

تراهم يقولون في ترجمة الراوي: كان خارجيًّا. ونحو ذلك قولًا واحدًا. وحبذا أن

يكون ما ذكره مأثورًا عن إمام مؤرخ مشهور، وأما القول بالاحتمال، فإذا فُتح

أَوْرَثَ الاضمحلال، لكل ما يعوّل عليه في الاستدلال، ومثل ذلك ما يقال: يحتمل

أن يكون روى عنه وهو غير عالم بما هو عليه من فساد العقيدة، فهذا يزيد عما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت