فهرس الكتاب
تاريخ حياتهم، وإن كانوا يزعمون مقاومة الحشو والجمود، وتنوير الأذهان بعلوم
الأوائل مما أخذوا بتعريبه، وجهدوا في نشره، إلا أن الغلو كان رائدهم، والبطش
قائدهم، ولكن هي السكرة، التي يذهب معها صحيح الفكرة، أعني سكرة الدولة
والغلبة، والسلطة والقوة، فما من دولة إلا ونقم عليها شيء من ذلك، كما يدريه
من سبر أخبار الدول وفلسفة حياتهم، ومظهر آرائهم وآمالهم.
وكذلك قُل عن الفتنة التي فر من أجلها إمام الحرمين من العراق إلى الحجاز
حينما دالت دولة الحنفية، وثارت عصبيتهم على الشافعية و الأشعرية. قال التاج
السبكي في طبقاته [2] في ترجمة الإمام أبي سهل الشافعي:
إنه لما بلغ من سمو المقام أن أرسل إليه السلطان الخُلَع وظهر له القبول عند
الخاص والعام، حسده الأكابر وخاصموه، فكان يخصمهم ويتسلط عليهم. قال: فبدا
له خصوم واستظهروا له بالسلطان عليه وعلى أصحابه، قال: وصارت الأشعرية
مقصودين بالإهانة والمنع عن الوعظ والتدريس، وعزلوا من خطابة الجامع، قال:
وتبع من الحنفية طائفة أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتشيع، فخيلوا إلى أولي
الأمر الإزراء بمذهب الشافعي عمومًا، وبالأشعرية خصوصًا، قال وهذه هي الفتنة
التي طار شررها، وطال ضررها، وعظم خطبها، وقام في سب أهل السنة
خطيبها، فإن هذا الأمر أدى إلى التصريح بلعن أهل السنة في الجُمَع، وتوظيف
سبهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري بها أسوة بعلي بن أبي طالب
رضي الله عنه، واستعلى أولئك في المجامع، فقام أبو سهل في نصر السنة قيامًا
مؤزرًا، وتردد إلى المعسكر في ذلك ولم يفد، وجاء الأمر من قِبل السلطان
(طغرلبك) بالقبض على الرئيس الفراتي، والأستاذ أبي القاسم القشيري، و إمام
الحرمين، و أبي سهل بن الموفق، ونفيهم ومنعهم عن المحافل، وكان أبو سهل
غائبًا في بعض النواحي، فلما قرأ الكتاب بنفيهم أغرى بهم الغاغة والأوباش،
فأخذوا بالأستاذ أبي القاسم القشيري والفراتي يجرونهما ويستخفون بهما، وحُبسا
بالقهندر وأما إمام الحرمين فإنه كان أحس بالأمر فاختفى وخرج على طريق كرمان
إلى الحجاز، وبقيا في السجن متفرقين أكثر من شهر.
وفي شرح الإقناع [3] قال ابن عقيل: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا
العجز، ولا أقول العوام بل العلماء، كانت أيدي الحنابلة مبسوطة في أيام ابن