وما عيشها إلا ليال قلائل سراع وأيام تمر قصار
الدنيا من أولها إلى آخرها قليل، وما متاع الدنيا إلا قليل، لو عشت ألف سنة متاع الدنيا قليل.
وكم ذي معاص نال منهن لذة ... ومات وخلاها وذاق الدواهي
تصرم لذات المعاصي وتنقضي وتبقى تباعات المعاصي كما هي
فيا سوءتا والله راء وسامع ... لعبد بعين الله يغشى المعاصيا
خذ العدة للرحيل، ولا يلهينك طول الأمل، و الشباب زائل، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، ومن غناك لفقرك، ومن شبابك لهرمك، واعلم أن الموت يأتي بغتة، فتبصر في العواقب، عمل الآخرة شاق، آخرته لذيذة، والمعاصي لذيذة في أوائلها وعاقبتها شؤم، فيا ويح من فضل لذة ساعة يقضي بعدها شرًا إلى قيام الساعة وبعد قيام الساعة.
وشارب الخمر يلتذ ساعة، ويجني بعد ذلك من الآفات في الدنيا والآخرة ما الله به عليم، كما أن الزاني يلتذ ساعة في قضاء شهوة تعقبها فضيحة وفاحشة وساء سبيلًا.
وأكثر ذكر الله، أكثر ذكر الله، وننهي مجلسنا هذا بتذكير أنفسنا بهذا الكلام لابن القيم رحمه الله يقول: (الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة فإنها أما أن توجب ألمًا وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتًا إضاعته حسرة وندامة، وأما أن تثلم عرضًا توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تذهب مالًا بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدرًا وجاهًا قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقًا لم يكن يجدها من قبل ذلك، - يتسلط عليك بسبب معصيتك-، وإما أن تجلب همًا وغمًا وحزنًا وخوفًا لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسى علمًا ألذ من نيل الشهوة، وتشمت بك عدوًا وتحزن وليًا، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة) (الفوائد:131) .
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الذل والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار
قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ} (الشعراء:206) . الموت {ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} (الشعراء:206) ، ذهبت اللذات وبقيت الحسرات.
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا ذكرك، وأن تجعل عملنا في رضاك، أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، وجنبنا الغفلة والغافلين، اللهم أحي قلوبنا بالقرآن، واجعله لنا إمامًا ونورًا يوم الدين، وارزقنا رفقة الصالحين، واسلك بيدنا في أهل اليمين والمقربين، وارزقنا حسن الخاتمة يا رب العالمين، اغفر للحاضرين والحاضرات، والمؤمنين والمؤمنات، يوم يقوم الأشهاد.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.