فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 96

وإن من الفوارق الجوهرية التي تميز التربية الإسلامية عن المناهج الأرضية قيامها على أساس إصلاح القلوب وغرس الإيمان، بخلاف تلك المناهج التي تقوم على مبدأ تقويم السلوك - مع ملاحظة أن معايير السلوك المقبول والمرفوض في هذه المناهج معايير بشرية - إذ القلب هو الأساس لكل ما يصدر عن الإنسان من سلوك كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» [1] .

وهب أن المرء استقام سلوكه وقلبه خواء من الإيمان والعبودية لله فلن يجدي ذلك عنه شيئًا.

ثانيًا: تنمية الاستقلالية في التفكير والرأي:

إن التبعية في الرأي والسير وراء الآخرين، من مشكلات الجيل المعاصر، وهي تكوِّن الأرضية المناسبة لتلقي التأثير الخارجي على الشخص، أيًا كان مصدر هذا التأثير.

ومن ثم فإن عناية الأستاذ بتربية تلامذته على روح الاستقلالية في الرأي والتفكير، والتخلص من التلقي المجرد مما سوى الوحيين يخدم في تنمية الشخصية الناقدة لما يعرض لها وما يواجهها.

والأستاذ الذي يعنيه بدرجة أساس أن يتربى تلامذته تربية ناضجة، يشعر أن غرس الاستقلالية لديهم مطلبٌ ملح، ولو كان على حساب قبولهم لكل آرائه، وسماعهم لكل ما يطرحه، بل إنه ليسر حين يرى تلميذه يخالفه في رأيه واقتناعاته، ويرى أن ذلك معيار نضج وكمال.

وهو حينها سيعنى بتعليمهم الحقائق العلمية مقرونة بالدليل والبرهان، وسيناقش الأقوال والمسائل مناقشة علمية موضوعية بعيدة عن الأحكام الجاهزة والنتائج المسبقة، وهو لن يقبل منهم مناقشةً لقول، أو اعتراضًا على نتيجة علمية، ما لم تكن مناقشتهم مقرونة بالدليل والبرهان.

إن هذا المسلك مع أنه يربي العقلية العلمية الناضجة فهو أيضًا يسهم بشكل آخر في ضبط سلوك التلميذ الاجتماعي، وتطبيعه بذلك، فلا يقبل بعد ذلك في حياته ومسلكه إلا ما يقتنع منه.

(1) رواه البخاري (52) ومسلم (1599) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت