فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 143

وقيل: بل لِمَا فيها من مُشاركة اللفظ؛ لأنها عند اليهود بمعنى اسمع لا سمعْتَ، وقيل: بل لما فيها من قلّة الأدب، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه؛ لأنها في لغة الأنصار بمعنى ارْعَنَا نَرْعكَ، فنهوا عن ذلك، إذ مُضَمَّنُه أنهم لا يرعونه إلا برعَايته لهم، وهو- صلى الله عليه وسلم- واجبُ الرعاية بكل حال؛ وهذا هو صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التّكَنّي بكُنْيَته، فقال: {تسموا باسمي، ولا تكَنّوا بكنيتي} ، صيانة لنفسه، وحمايةً عن أذاه؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم استجاب لرجل نادى: يا أبا القاسم؛ فقال: لم أعنك، إنما دعوتُ هذا [1] ؛ فنهى حينئذ عن التكنّي بكنيته لئلا يتأذى بإجابة دعوةِ غيره لمن لم يدعُه، ويجِد بذلك المنافقون والمستهزئون ذريعة إلى أذاهُ فينادونه، فإذا التفت قالوا: إنما أردنا هذا- لسواهُ- تَعْنيتًا له، واستخفافًا بحقه على عادة المجّان والمستهزئين، فحمى صلى الله عليه وسلم حِمَى أذاه بكل وجهٍ؛ فحمل محقِّقُو العلماء نهيَه عن هذا على مدة حياته، وأجازُوه بعد وفاته لارتفاع العِلة.

وللناس في هذا الحديث مذاهبُ ليس هذا موضعها وما ذكرناه هو مذهب الجمهور، والصواب إن شاء الله، وهو على طريق تعظيمه وتوقيره، وعلى سبيل الندب والاستحباب، لا على التحريم، ولذلك لم ينه عن اسمه؛ لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله: (( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) ) [النور:63] ؛ وإنما كان المسلمون يدعونه برسول الله، وبنبي الله، وقد يدعُوه -بكنيته: أبا القاسم- بعضُهم في بعض الأحوال.

الباب الأول

في بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سَبٌّ، أو نَقْص من تعريض أو نصّ

(1) صحيح البخاري (3114، 3115، 3538، 6196، 6187) ، صحيح مسلم (2133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت