فهرس الكتاب
كل امرئ حق الإبانة عن رأيه كما تكون في نفسه. واصطبغ بطبعه الحاد أو الهادئ وبرز بتفكيره الحرفى أو المرن. ففى غزوة بدر استمع الرسول إلى أبى بكر الحليم يرى العفو عن الأسرى واستمع إلى عمر الحازم يرى مؤاخذتهم بما اقترفوا. فشبه الأول بإبراهيم وعيسى، وشبه الآخر بنوح وموسى . ص _059
فإن إبراهيم كان حليما يوم قال: (…فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) . وعيسي كان حليما يوم قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) . ونوح كان حازما يوم قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولايلدوا إلا فاجرا كفارا) . وموسى كان حازما يوم قال: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) . ومن أروع ما يتعلق بحرية الرأى في الإسلام ، أن عليا كرم الله وجهه قد فوت على نفسه الخلافة بعد عمر، تمسكا بحريته في الرأى والاجتهاد، فقد انتهت المفاوضات والشورى بعد مقتل عمر إلى أن يحسم الأمر فيها عبد الرحمن بن عوف فدعا الناس إلى المسجد، وكان الأمر قد غدا بين على وعثمان، فوقف في المسجد ونادى من بين الناس عليا ليبايعه خليفة للمسلمين على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله واجتهاد الشيخين- أبى بكر وعمر- فرفض على ذلك إلا أن يكون عمله بكتاب الله وسنة رسوله ويجتهد رأيه، فدفع عبد الرحمن يد على ونادى عثمان فقبل العهد الذى رفضه على .. فكان خليفة بدلا منه. كما أن لعلى موقفا ممن خرجوا على خلافته وسموا"بالخوارج"فقد بعث إليهم عبد الله بن عباس فناظرهم، فرجع إلى صفوف على أربعة آلاف منهم وأصر أربعة آلاف أخر على عدم الرجوع، فأرسل إليهم يقول:"كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا، ولا تظلموا أحدا، فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب"كما قال