فهرس الكتاب
فقال له رافع استكثروا من الماء، من استطاع منكم أن يصرَّ أذن ناقته على ماء فليفعل فإنها المهالك، إلا ما دفع الله، أبغني عشرين جزورًا عظامًا سمانًا مسانَّ، فأتاه بهن خالد، فعمد إليهن رافع فظمأهن حتى إذا أجهدهن عطشًا أوردهن فشربن حتى إذا تملأن عمد إليهن فقطع مشافرهن، ثم كعمهن [1] لئلا يجتررن، ثم أخلى أدبارهن، ثم قال لخالد: سر، فسار فغذًَّا بالخيول والأثقال فكلما نزل منزلًا افتض أربعًا من تلك الشوارف فأخذ ما في أكراشها فسقاه الخيل، ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء، ثم وصل موطن الماء بعد خمسة أيام [2] .
لقد كانت محاولة جادة وجريئة، وفي الوقت نفسه هي الحل الوحيد، أترى أنه يمكن أن يتخذ هذا القرار الحاسم رجلٌ غير جاد ؟
وفي الوقت نفسه لك أن تتصور النتائج المرة والفرص التي تفوت لو لم يحسم الأمر بهذه الجدية.
والجدية لاتتمثل في موقف خالد -رضي الله عنه- فحسب، بل الجيش الذي سار معه كان يتمثل هذا المعنى.
هـ: في الدعوة:
ولعل خير مثال على ذلك سير أنبياء صلوات الله وسلامه عليهم الذين بذلوا أرواحهم ومهجهم وأموالهم في سبيل الله، وكانت الدعوة هي قضيتهم الأولى والأساس مع قومهم.
ويبدو هذا النموذج أيضًا في قصة أصحاب الأخدود وموقف الغلام حين أنجاه الله من القتل أول مرة، فعاد إلى أين؟ إلى الملك، ثم أرسله في قرقور مرة أخرى فنجاه الله، فجاء يمشي إلى الملك، ثم رأى أنه لابد من إنقاذ الناس فقال للملك «إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به» [3] .
لقد كان بإمكان الغلام حين نجاه الله أن يذهب في أرض الله ويختار مكانًا آخر، ولن يعلم عنه الملك وربما يظن أنه هلك، لكنه لم يفعل ويتكرر الأمر كذلك في المرة الثانية.
(1) كعم البعير يكعمه كعْما فهو مكعوم وكعيم: شدّ فاه. اللسان (12/522) .
(2) تاريخ الطبري ( 3/425) وانظر للاستزادة قادة فتح العراق والجزيرة للواء محمود شيت خطاب. (121 - 125) .
(3) رواه مسلم (3005)