فهرس الكتاب
حين نزل الوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصابه ما أصابه من هول الموقف فرجع إلى خديجة -رضي الله عنها- يرجف فؤاده، حينئذ قالت له: «والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك تصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» ثم لم تكتف بهذا الأمر، بل ذهبت إلى ورقة، وسألته، واصطحبت معها زوجها - صلى الله عليه وسلم - إليه [1] .
إنها صورة من صور التربية الجادة، لقد كان لهذه المرأة الجادة دورٌ مهمٌ وأساس في تثبيت صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت له بمثابة خط الدفاع الخلفي، ولذا استحقت رضي الله عنها أن تبشر من عند خالق السموات والأرض بشرى ينقلها جبريل، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتى جبريل -عليه السلام- إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: « يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، ومعها إناء فيه إدام - أو طعام أو شراب - فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولانصب » [2] .
إن هذا الموقف من خديجة رضي الله عنها ليسجل شهادة إدانة لبعض نساء المسلمين اللاتي تقف إحداهن عقبة في طريق زوجها الداعية إلى الله عز وجل، وتثقل كاهله بكثرة المطالب، والشكوى من الانقطاع والغياب وكأنه إنما خلق ليبقى في حضنها.
وحين قدم أحد رجالات الإسلام للمحنة في القول بخلق القرآن وهو بشر تأخذه عواطف البشر ومشاعرهم، حين قدِّم للمحنة تحركت لديه عاطفة الأبوة فتذكر بناته اللاتي خلفهن وراءه في بلاده.
وما لبث أن أتاه كتاب منهن يأمره بالثبات قائلات له: « والله لأن يأتينا خبر نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك قلت بخلق القرآن» .
(1) رواه البخاري (3 ) ومسلم (160) .
(2) رواه البخاري (3820 ) ومسلم (2432) .