فهرس الكتاب
لكن تفكيرًا متأنيًا يقودنا إلى الاقتناع أنه ليس ثمة فائدة عملية من وراء ذلك الحديث، بل هناك نتائج سلبية، ليس أقلها خروج الجميع من مثل هذه المجالس بقدر من الإحباط، وسيطرة عبارة ( هلك الناس ) على تفكيرهم ومقالهم، وهذا الشعور اليائس له دور بارز في تبديد كل طاقة للعمل، وتفتيت كل حماسة للإنتاج، وهذا ليس دعوة لإلغاء الحديث في انتقاد الواقع فهو أمر مطلوب ونوع من الإنكار، لكنه حين يكون حديثًا فقط فهو لايزيد على امتصاص الحماسة والتنفيس عن معاناة نحن أحوج إلى استثمارها في عمل منتج.
7 -ومن خوارم الجدية: الحديث عن المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام والصحوة من الأعداء في الداخل والخارج، حديث المتشائم، حديث من يقول لسان حاله رويدًا (فالسيل لن تسده بعباءتك) (لست وكيلًا لآدم على ذريته) (لكم دينكم ولي دين) ، إلى آخر تلك القائمة الطويلة من المعاذير، بل الاعتراضات على أوامر الله.
إن الحديث عن الأعداء وتآمرهم مطلب، وإن الشعور بالمعركة أمر له أهميته، لكن هذا شيء آخر غير حديث هذا الصنف الذي لايتبعه جهد ولا عمل.
أما حين يكون ذلك الحديث للمدارسة، وشحذ الهمم، وكشف الألاعيب، ووضوح سبيل المجرمين، فهذا جزء من الواجب.
8 -ومن خوارم الجدية تدافع المسؤوليات والأدوار، وإلقاء التبعات على الآخرين، قد يسوغ هذا السلوك لموظف في شركة أو عامل بناء يتمنى الخلاص من العمل ليتولاه غيره ويلقي التبعة على سواه، أما الذين يدركون قيمة العمل إذ هو مطلب لهم فنجاحه يهمهم، ومساهمتهم يعتبرون أنها فرصة سانحة يعد التخلف عنها تفويتًا دون مقابل، أولئك لهم شأن آخر وحال مغايرة.
نعم فتدافع الفتيا مثلًا أمرٌ مشروع، وتدافع الإمارة كان من هدي السلف، لكن ذلك في حدود من يتولى الأمر فلان أم فلان، أما بعد ذلك فلابد من البت وقطع الأمر، ولم نر أن ولاية للمسلمين عطلت، أو أن مستفتيًا لم يجد من يفتيه.