فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 82

9 -ومن خوارم الجدية التواضع المصطنع، وهو نموذج يتكرر كثيرًا، وإجابة تسبق طلبك في أحايين ليست بالقليلة سوف تسمع: (لاأستطيع، لاأقدر، الله المستعان، ومتى كنا أهلًا لذلك، هناك من هو خير مني... ) عبارات نسمعها من طائفة من الناس حين يدعون للخير، ويطلب منهم مشاركة في أمور الدعوة.

إن التواضع خلق شرعي، ومقت النفس وذمها هدي راتب من هدي السلف لايسوغ الإخلال به، لكن أن يكون عائقًا عن العمل، ومثبطًا عن المشاركة فهذا شيء آخر، لقد كان من السلف من يتصدى لنشر العلم وللفتيا وللقضاء وللدعوة ولإنكار المنكر، مع كل هذا المقت لأنفسهم واستشعار أنها دون ماينبغي أن تكون عليه، ومهما أوتي المرء فلن يكون أكثر منهم مقتًا لنفسه، وحتى أولئك الذين تركوا عملًا أو ميدانًا من الميادين شغله غيرهم.

إن هناك طائفة يدفعهم شعور صادق، وإحساس بالقصور فعلًا - مع أن هذا ليس عذرًا - لكن ثمة فئةٌ ليست بالقليلة لو كانوا واقعيين مع أنفسهم لوجدوا أن العذر الحقيقي العجز والكسل لاغير، وشاهد ذلك أنهم يرون العاملين في ميادين كثيرة دونهم في جميع المعايير، وتسمع منهم الانتقاد كثيرًا والحديث عن الأخطاء، ولو كان أولئك جادين فعلًا، لدفعهم الانتقاد إلى الشعور بالحاجة، ومن ثم العمل بعد ذلك، لكن حين يعرف السبب يبطل العجب.

أليس هذا الصنف من التواضع المصطنع ثمرةٌ سيئة لتخلف التربية الجادة؟

وما الفرق بين أن يسابق المرء لقيام الليل وصيام النفل، أو يسابق لميادين الدعوة إلى الله والمشاركة فيها؟

إنك تُدهش حين تتأمل واقع الأمة المرير، وحاجتها لكل طاقات أبنائها على اختلاف مستوياتهم وقدراتهم، وترى في المقابل واقع ذلك الصنف من الناس الذي يتخلى عن العمل، ويمتنع عن المشاركة بحجة أنه ليس أهلًا، ولن تستطيع تفسير هذه الظاهرة، أو حل هذا اللغز إلا أنه فقد الجدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت