فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 82

11-ومن خوارم الجدية: الإغراق في قيل وقال؛ إذ تختار النفس هذا المسلك حين تنصرف عن الاهتمامات العالية الطموحة، فيسيطر ذلك على حديث المرء في الحديث عن الناس، وتقييمهم - والغالب في ذلك مجانبة العدل - والحديث عن أمور الدنيا، وآخر أخبار الناس، إلى آخر تلك القائمة الطويلة التي لا توصف بأصدق من قوله - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» [1]

معوقات مفتعلة

يروق النموذج الجاد في التربية لكثير من الناس، ويرى أنه مثلٌ ينبغي أن يتطلع إليه، لكنه يبقى عند بعضهم صورةً مثاليةً لايمكن أن تنزل إلى أرض الواقع، ومرحلة يتمنى الوصول إليها فيأسره الواقع الذي يعيشه، ويقارن بين النموذج المطروح والصنف الذي يتعامل معه، فيشعر أن هناك مسافة شاسعة لايستطيع قطعها أو اختزالها.

وحينئذٍ يبدي عوائق ويحتج بمفاهيم مغلوطة يشغب بها على من يطالبه بهذا المستوى من التربية، وهو في ذلك قد ينطلق من مقدمات صحيحة في الجملة، لكنها وضعت في غير موضعها، ومن هذه المعوقات المفتعلة:

1 -ساعة وساعة:

لقد قال - صلى الله عليه وسلم - لحنظلة -رضي الله عنه-: « ياحنظلة ساعة وساعة » [2] فيتخذ بعض الناس هذا النص سلاحًا يشهره في وجه من يطالبه بالجدية.

إنه ليس هناك مايمنع من وجود برامج الترويح، ومن التخفيف عن النفس والإمتاع لها، بل إن هذا يهيء النفس لتستعيد جديتها مرة أخرى، وقد كان السلف لهم نصيب من ذلك.

وروى المصنفون في أدب الطلب طائفة من أخبارهم في ذلك، ومنهم الخطيب البغدادي في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) فروى بإسناده عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: «روحوا القلوب وابتغوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان» .

وروى عن الزهري أنه كان يقول لأصحابه: «هاتوا من أشعاركم، هاتوا من حديثكم؛ فإن الأذن مجَّة، والقلب حَمِض» .

(1) روا ه البحاري (2408) ومسلم (593)

(2) رواه مسلم (2750) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت