قال ابن عباس وغيره: { وَتَلهُ لِلْجَبِينِ } أكبه على وجهه وقال { وَتَلهُ لِلْجَبِينِ } وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال له: يا أبتي إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفنني فيه، فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه { أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا } فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أقرن أعين قال تعالى: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } وقوله تعالى: { وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا } أي قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح.
وذكر السدي وغيره أنه أمرّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئًا بل حال بينهما وبينه صفحة من نحاس ونودي إبراهيم - عليه السلام -: { قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } أي هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ } أي الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله تعالى منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } .
وقال تعالى عن أكبره أخوة يوسف: { قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } .
أيها الأولاد أيها الأبناء، الوالد لا يرضيه إلا أن يرى من ابنه إقبالًا عليه بقلبه ونفسه وانصياعًا منه لأمره، وسعيًا لتحقيق ما يسره ويبهجه، وغاية البر أن يقضي الولد له حاجته من غير أن يسأله قضاءها ويقدم إليه ما لا يبين له حاجته إليه ويعطيه من غير أن يطلب منه.