الصفحة 9 من 9

فرضا الوالدين خير من الدنيا وما فيها، لئن كان المال ذخرًا في الدنيا، فرضا الوالد ذخر في الدنيا والآخرة، فالوالد شجرة وارفة تأوي إلى ظلها، وحصن منيع تلوذ به، وسيف قاطع يذب عنك، وراع يحميك، ويسدي إليك الحكمة التي تبصرك بشؤون دينك ودنياك، فإذا فقدته فقد خسرت كل هذه النعم، وكم نعمة لا يعرف المرء قيمتها إلا بعد زوالها.

أنصف أيها العاقل، لو أن أباك مرض يومًا هل تهجر فراشك ليلًا وتعطل عملك نهارًا، وتلزم سريره كما لو كنت أنت المريض؟ ولو أنه تأخر ساعة عن موعد حضوره إلى البيت مساء يوم، فهل تقلق عليه وتضطرب وتحسب لتأخره ألف حساب، كما لو تأخرت أنت؟ كم تخطئ معه فيصفح عنك، وكم يرى منك ما يسوؤه فيتغاضى عنك.

إن أبسط كلام العقوق كلمة (أف) وأبسط نظراته نظرة الغضب، والدك أشفق الناس عليك، وأرأفهم بك، وأكثرهم حبًا لك، أفيجوز لمن كانت هذه حاله أن تعصي أمره، وما يأمرك إلا بخير، وتتأفف من تصرفاته، وهو أدرى منك بما هو الأصلح لك، وتنظر إليه نظرة اشمئزاز، إن رأيت منه ما لا يرضيك؟

ليس من الأدب أن ترد يدك في فم من هو أكبر منك، أي أن تجاوبه أو تصوب إليه نظرة احتقار واستهتار، فكيف بأبيك ورضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين.

أيها الابن: عليك أن تخفض صوتك، وتغض من طرفك، وتلين قلبك إذا ثار أبوك وغضب، انظر إلى أبيك نظرة المحب الرحيم، الخجل المتواضع.

أيها الأبناء اتقوا الله تعالى في آبائكم، وأدوا إليهم حقوقهم، وأجهدوا أنفسكم في كسب رضاهم، فهم الذين بذلوا أموالهم وأوقاتهم من أجلكم، وهم الذين أعطوكم من غير من ولا أذى، ويتمنون طول حياتكم، وتعطونهم أيها الأبناء مع المن والأذي مترقبين لمماتهم أطيعوهم والتزموا الأدب معهم ولا ترفعوا أصواتكم فوق أصواتهم، ولا تنظروا إليهم بعين الغضب والاشمئزاز.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

كتبه/ عبد الله بن إبراهيم القرعاوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت