فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 212

لأصل الحكم، ثم احتيال لإسقاط تكاليف الحكم المبتدع ، ثم اعتبار الأمرين ـ البدعة والاحتيال في إسقاطها ـ من الدين، وأنهما يسقطان الفرض، ويخرجان من عهدة التكليف، ويترتب عليهما ثواب الله الذى أعده للذين آمنوا وعملوا الصالحات. ص _109

2-وأما عن السبب الثانى من أسباب الابتداع: وهو متابعة الهوى في استنباط الأحكام، فيأتى من أن الناظر في الأدلة قد يكون ممن تملكهم الأهواء فتدفعه إلى تقرير الحكم الذى يحقق غرضه، ثم يأخذ في تلمس الدليل الذى يعتمد عليه ويجادل به. وهذا الواقع يجعل الهوى ـ أصلا ـ تُحمل عليه الأدلة ويُحكم به عليه ، مما هو قلب لقضية التشريع ، وإفساد لغرض الشارع من نصب الأدلة ، فالأصل أن تؤخذ الأحكام من الأدلة ، لا أن تُقرر الأحكام ثم تُتصيد لها الأدلة. ومتابعة الهوى هى أصل الزيغ عن صراط الله المستقيم ( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) . وقد جاء في الصحيح:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". والابتداع الناشئ عن هذا السبب يكثر من أرباب المطامع في خدمة الملوك والرؤساء والحصول على الدنيا وحطامها. ولعل أكثر الحيل ـ التى تراها منسوبة إلى الدين، والدين منها برئ ـ ترجع إلى هذا السبب، ولا يبعد أن يكون من ذلك الأذان السلطانى ونحوه من البدع التى لم نرها إلا في صلاة الملوك والسلاطين، وكذلك بدع المحمل، وبدع الاجتماع لإحياء بعض الليالى بصفة رسمية، وغير ذلك مما يغلب أن يكون رغبة لملك أو مشورة لمقرب إليه. ثم توارثتها الأجيال- جيلا بعد جيل- حتى عمَّت الجماهير، وصارت عندهم دينا ينكرون على من أنكره. والواقع أن متابعة الهوى من أشد ما يكتسح الأديان ويقتل كل خير، والابتداع به أشد أنواع الابتداع إثما عند الله، وأعظمها جُرما على الحق، فكم حرف الهوى من شرائع، وكم بدل من ديانات، وكم أوقع الإنسان في ضلال مبين. ولا شك أن المبتدعين بالهوى ينتسبون بهذه الخطة الشائنة إلى أولئك الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت