فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 212

3-وأما عن السبب الثالث للابتداع، وهو تحسين الظن بالعقل في الشرعيات، فإن الله جعل للعقول حدا تنتهى في الإدراك إليه، ولم يجعل لها سبيلا إلى إدراك كل شىء، ومن الأشياء ما لا يصل العقل إليه بحال، ومنها ما يصل إلى ظاهر منه دون اكتناه حقيقته، وهى مع هذا القصور الذاتى لا تكاد تتفق في فهم الحقائق التى جعل لها إمكان إدراكها، فإن قوى الإدراك ووسائله تختلف عند النظار اختلافا كثيرا، ولهذا كان لابد ـ فيما لا سبيل للعقول إلى إدراكه وفيما تختلف فيه الأنظارـ من الرجوع إلى مخبر صادق يضطر العقل أمام معجزته إلى تصديقه، وليس سوى الرسول المؤيد من الله العليم بكل شىء، الخبير بما خلق. وعلى هذا الأصل بعث الله رسله، لتبين ما يُرضى خالقهم ويضمن سعادتهم. ويجعل لهم حظا وافرا في خيرى الدنيا والآخرة. بيد أنه شذ عن هذا الأصل قوم رفعوا العقل عن مستواه الذى حدده الله، بل جعلوه حجة الله على عباده، وحكموه فيما لا يدركه مما أنزل الله، فرجعوا في التشريع إليه، وأنكروا في النقل كل ما لم يعهده في إدراكه، ثم توسعوا في ذلك وجعلوه أصلا في التشريع الإلهى، واستباحوا بعقولهم فيه ما لم يأذن به الله وما نعلم أنه يرضى الله. ولقد أعانهم على الابتداع به في العبادات أنهم نظروا فيما أدركه العلماء من أسرار التشريع وحكمته، وزعموا أن هذه الأسرار هى المقصودة لله في تشريع الحكم، وأنها هى الداعية إليه، فشرعوا عبادات أخرى تحصيلا لمثل هذه الأسرار التى عهدت في بعض تشريع الله، وقد وقع كثير من الابتداع بهذا الطريق. فبحكم العقل القاصر رُدَّ كثير من الأمور الغيبية التى صحت بها الأحاديث، كالصراط والميزان وحشر الأجساد والنعيم والعذاب الجسمى ورؤية البارى... وما إلى ذلك، مما لم يدركه العقل ولا ينهض على إدراكه. ص _111

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت